من هنا وهناك

آخر الاضافات

   
   

ها قد تشكلت الحكومة العراقية بشكلها الأساسي ورغم بعض ...

هناك سؤال دائم الحضور في الإعلام : لماذا لا يتنازل الرئيس ...

أتمنى على من لا يزال يعول على جدية الغرب الإستعماري في حربه ...

يدهش العراقيون (من العرب بالذات)، كما يلاحظ من تعليقاتهم ...

لا اريدك ان تكون معي

أريدك ان تكون ضدي..

لا تتفق معي

بل ...

في العاشر من شهر يونيو\حزيران الماضي حلت في العراق عبر ...

اثناء الخدمة العسكرية كجندي مكلف في الجيش العراقي واثناء ...

(الغبيّ وحده أو المأجور : فقط مَنْ يمكن أن يصدّقوا بأنّ ...

من المقرر أن يسافر ابو بكر البغدادي الى تركيا في ...

فشل الجيل الأول من المحافظين الجدد في الاستمرار في ابتزاز ...

لايصيبني بالسقم الا سماع الكلام الذي يسقط فوق تلال الكلام ...

لعل المتابع المتبصر لما يجري من أحداث مركّزة مكثّفة متلاحقة ...

فيلم أميركي طويل الحديث هنا ليس عن مسرحية المبدع زياد ...

الخجل من اليسارية

قفز إلى رئاسة العراق، من حيث لا يعلم ...

لا يرقى ليقين القراء الأفاضل شك، بأننا نتابع كل تعليقاتهم، ...

في أحد مواضيعي السابقة كتبت وحذرت من الشركات الإحتكارية ...

لاأدري لماذا يذكرني الرئيس الفرنسي بالشخصية الكوميدية ...

(«عدوّنا هو الغرب» ــــ هادي العلوي)

صاحب القول أعلاه، ...

تتجه روسيا إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية؛ ستعتبر ...

  
  • العراق - حكومة عتبة انتقالية للأجندة الأمريكية

    ها قد تشكلت الحكومة العراقية بشكلها الأساسي ورغم بعض التعتيم، فشكلها العام واضح تماماً ويمكن تحديد مهامها الأساسية من طبيعة شخوصها والظروف التي أحاطت بتشكيلها. وأول العلامات المميزه لهذه الحكومة نجاح الإدارة الأمريكية بفرض عملائها من أصحاب الفضائح على التشكيلة وأبرزهم أياد علاوي الذي أنيط به منصب نائب رئيس الجمهورية وعادل عبد المهدي الذي تم تسليمه النفط العراقي، كما تم تسليم وزارة المالية لشخصية كردستانية واستلم وزير الخارجية السابق، هوشيار زيباري، الذي حرص أن تكون سياسة العراق ومواقفه مرضية لإسرائيل وأميركا، وكان يمثلهما بأكثر مما يمثل العراق في المحافل الدولية، منصب نائب رئيس الوزراء، وإبقاء منصب رئيس الجمهورية بيد كردستاني لا يخجل من المراوغة ليتجاوز الجزء "الشيوعي" الصغير من تاريخه! أما الظروف التي صاحبت تكوين الحكومة فتبرهن للعراقيين أن الإنتخابات لا تعني شيئاً وأن أصواتهم لا تعني شيئاً إن لم تكن خياراتها ضمن إطار المخطط الإسرائيلي الأمريكي للعراق، كما انها تريهم هشاشة الإرادة والموقف لدى ساستهم ومؤسساتهم وأن كل التأييد والدعم الشعبي والضجة التي تحيط بأي شخص أو حزب يمكن أن تطير بنفخة أمريكية واحدة. وهذا كله فشل ذريع يتحمل الشعب العراقي ومثقفوه وزره تماماً، لكننا لن ندخل هنا في هذه التفاصيل.

    إن لم نرد أن نخدع أنفسنا عن رؤية الحقائق المهولة التي تتكون حولنا، فكل الحقائق تشير إلى أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يضع أي هدف أمامه أقل من تحطيم وتمزيق العراق والتهام نفطه وتحويله إلى دولة خليجية لإنتاج فرق الإرهاب الأمريكية الإسرائيلية (مثل داعش والقاعدة، والنصرة ، وكلها أسماء لفرق عسكرية إرهابية إسرائيلية من مجندين من المسلمين غالبيتهم من الدول التي تحظى إسرائيل أو أميركا فيها بمكانة خاصة تتيح لها اختراق مؤسساتها الدينية والعسكرية والأمنية) ضد الباقين من دول العرب والعالم التي يستهدفها هذا الخندق الذي يلعب ذيله الكردستاني دوراً أساسياً ومتزايداً في تحقيق هذا الهدف في العراق. وفي تقديري أن هذه الحكومة ليست بالضبط الحكومة التي يهدف اليها، وأن العبادي ليس سوى "دكة" سوف يصعد عليها عميل أكثر طاعة لإسرائيل، لكنها خطوة كيرة في ذلك الإتجاه.

    فهاهي كردستان تستولي على وزارة المالية التي لم تخف طموحها إليها منذ سنوات عديدة، والمهمة في ادامة وتطوير عمليات الإبتزاز للحكومة المركزية ونهبها لصالح هذا الخندق، وهي السياسة الأساسية في كردستان، كما أنها مهمة جداً للدفع بالعراق أكثر وأكثر نحو بئر سياسة السوق والخصخصة المدمرة وبحدود سياسة اقتصادية ليبرالية شديدة التطرف تتجنبها أميركا وأوروبا ذاتها، وتتركها لضحاياها من دول العالم الثالث، خاصة تلك الدول التي يهم إسرائيل أن لا تقوم لها قائمة، وأن يبقى أبناءها تحت رحمة القرار السياسي الأمريكي الإسرائيلي بلا مقاومة، والعراق ليس سوى المثال الأحدث على ذلك النهج المدمر من أمثلة كثيرة.

    إن تسليم شخص مثل عادل عبد المهدي ملف النفط فهي من أخطر الإنتصارات الأمريكية على الشعب العراقي في الصراع على ثروته النفطية ولا يشك إلا أحمق بأن اتفاقاً لا بد أن تم عقده مع "الرجل"(؟) لإقرار قانون نفط الشركات (التي كانت تطالب به منذ الإحتلال، وبشكل خاص عن طريقه ذيولها في كردستان وذيول ذيولها (ذيول كردستان – اليسار العراقي الضائع وقائمة التحالف المدني المليئة بالمشبوهين وشخصيات أخرى متناثرة، وهي تردد جميعاً هذا المطلب دون أن يكون أي منها قد قرأ القانون، فليس مطلوب من الذيول أن تقرأ).

    وعادل عبد المهدي، صاحب فضيحة سرقة بنك الزوية من قبل حراسه الشخصيين وتهريبهم، كان دائماً رجل أمريكا الثاني بعد أياد علاوي، فهو من أكثر الشخصيات استعداداً لأي شيء لإرضاء الأمريكان، وقد فضحناه في حادثة كشفت حقيقته في مقالة “متى يعترض عادل عبد المهدي ومتى يقبل؟” (1)

    إضافة إلى ذلك، فأن حقيقة تقافز عبد المهدي بين البعث والشيوعية والإسلامية، لا يسهل تفسيره إلا بأنه لم يكن يؤمن بشيء، وأنه كان أحد جواسيس السي آي أي لاختراق الشيوعيين، وما اكثر هؤلاء في العراق وفي العالم. هذه المهمة تتناسب تماماً مع شخصية الفضيحة التي أشرنا إليها في المقالة المذكورة أعلاه... وهذا كله يعني أن ملف النفط والصراع الذي خاضه أخيار الناشطين العراقيين ووزارة النفط والشهرستاني من جهة ضد الشركات وكردستان ونوابها والمؤيدون المقسمون على الولاء لها مهما فعلت، والنواب العملاء في لجنة النفط والطاقة البرلمانية من الجهة الأخرى، والذي تكلل بالنجاح، وتم ردع عقود مشاركة الإنتاج و فرض عقود الخدمة، هذا النجاح قد ضاع بضربة واحدة باستيلاء عبد المهدي على ملف النفط، ولاشك إننا سنشهد تغييرات حادة في هذا الملف في الأسابيع والأشهر القادمة.

    وماذا يعني أياد علاوي كنائب لرئيس الجمهورية؟ أن خير طريقة نفهم بها أهمية أياد علاوي للأمريكان وإصرارهم عليه هو مراجعة مقالة نيويورك تايمز التي تحدثت عنها في مقالتي المعنونة "نيويورك تايمز تكشف كيف يختار لنا أصدقاؤنا زعماءنا" (2) والتي نشرتها قبل سنتين بالضبط، وجاء فيها:

    "في مقال بعنوان "انسحاب أميركا من العراق، جهود فاشلة وتحديات"،(1) نقلت مجلة نيويورك تايمز....مقاطع من كتاب "نهاية اللعبة: الصراع من أجل العراق، من جورج بوش إلى أوباما" للكاتبين ميشيل كوردون والفريق الركن المتقاعد برنارد ترينر....

    في الجدل حول توزيع المناصب في الحكومة العراقية... كان بايدن قد فضل خطة تتمثل بـ "إبقاء" المالكي رئيساً للحكومة (!)، على أن يكون لمنافسه الأساسي السيد علاوي، مكان قرب قمة هرم السلطة! ولأجل إفساح الطريق للسيد علاوي إقترح بايدن (حسب محضر المؤتمر) بأن يزاح الكرد عن الرئاسة، وأن يعطى طالباني منصباً آخر....وإقترح نائب وزير الخارجية جيمس شتاينبرغ خطة أخرى، بأن يستبدل المالكي بـ "عادل عبد المهدي"!

    وأخيراً وبسبب القلق على الحاجة إلى تشكيل حكومة عراقية، قرر أوباما أن "يقبل"! بالسبد المالكي كرئيس للوزراء، على ان يعمل في نفس الوقت على صفقة تجلب السيد علاوي واعضاء آخرين من كتلة العراقية، إلى الحكم. ثم يشير الكاتب إلى أن الرئيس اوباما قام بنفسه بالإتصال بجلال الطالباني في الرابع من تشرين الثاني 2010، واستخدم كل قدرته على الإقناع، ليطلب منه طلباً غير معتاد، وهو ان يتنازل عن منصبه! وكانت الخطة أن يقدم هذا المنصب لأياد علاوي، لكن جهده لم يثمر. ويذكر الكاتب أن أوباما كتب رسالة إلى البرزاني محاولاً إقناعه بأن على الطالباني أن يقبل بالتنازل عن الرئاسة، وقال أن أميركا ستستمر بالدعم الذي تقدمه للكرد، ولكن السيد برزاني رفض الطلب."

    والآن نرى الخطة الأمريكية تنفذ بحذافيرها، وتملأ المناصب العراقية بشخوص ترفع شهادات حسن السلوك الصادرة من جحور مراكز الدراسات الأمريكية. ومن هنا تأتي أهمية تلك المقالة التي تشرح التفضيلات الأمريكية وكذلك طريقة تعامل أميركا مع العراق. وتذكر المقالة أيضاً أن الكرد بلسان فؤاد حسين كانوا يحتجون على عدم وقوف الحكومة الأمريكية مع "مصالحها" (!) ومن يخدم مصالحها بشكل كاف!! والآن يبدو أن كردستان راضية عن مستوى دفاع أميركا عن "مصالحها" في العراق، وأن ساسة كردستان وذيولهم، هم من يمثلون تلك المصالح، وباعترافهم!

    إن وجود علاوي في "مكان قرب قمة هرم السلطة " كما كانت خطة بايدن بالضبط، يعني أنه سيكون الرأس الحقيقي للهرم، أي الرجل الأول في العراق، وسوف يدعم وستوجه دعوات البيت الأبيض إليه أكثر من رئيس الحكومة ومن رئيس الجمهورية أيضاً. وهو ذات ما حدث عندما كان علاوي رئيساً للحكومة فكان هو من يستدعى ويهمل رئيس الجمهورية، وحين تبدلت رئاسة الحكومة إلى الجعفري غير المحبوب أمريكياً، كان الدعوات الأمريكية توجه إلى رئيس الجمهورية دائماً. فرغم أن معصوم، الكردستاني الذي يحرص تملقاً للأمريكان، على التنكر لبعض تاريخه، ليس مرفوضاً أمريكيا بالتأكيد، لكنه لا يمكن، ولا يستطيع أن يكون بقيمة أياد علاوي بالنسبة لأميركا وإسرائيل. فعلاوي يمتلك كل الصفاة التي ترشحه ليكون رجلهما المفضل، والذي وصفه أحد رجال الأمن الأمريكان يوماً بقوله: إنه سافل، لكنه سافلنا! والسفالة هي الصفة الأساسية المطلوبة في المنافسة على الرضى والخيار الأمريكي لرجالهم في العالم الثالث، وخاصة في العالم الإسلامي والعربي لأنها الشخصية الوحيدة التي تستطيع أن تقبل المخططات االإسرائيلية التي تتبعها أميركا للعراق، وتنفذها بلا اعتراض.

    لكن السفالة لا تكفي لوحدها للوصول إلى القلب الأمريكي، خاصة وأن السفالة الشائعة في الوسط السياسي العراقي تتيح لهم إضافة شروط أخرى لمرشحهم. وهنا تلعب صفاة أخرى دورها مثل “قابلية الشخص على أن يتم ابتزازه عند الحاجة”. أي أن الصفة الثانية المهمة للمرشح لرئاسة الحكومة لتمثيل المصالح الأمريكية، أن يكون لدى السي آي أي ملفات وأفلام كافية لتهديده أو تحطيمه أو إزاحته بسهولة إن تطلب الأمر، أي عندما تأتي مرحلة متوقعة، تطالب فيها اميركا من هذا المرشح بعمل يتجاوز موضوع تحطيم البلاد إلى التهديد بتحطيم ممثل أميركا فيها شخصياً أو خسارته لمنصبه. فالأجندة الأمريكية الإسرائيلية تريد أن تضمن ولاء المرشح إلى ما هو أبعد من الحدود البعيدة التي يضمنها انحطاطه الأخلاقي، الذي يقف عند حدود مصالحه الشخصية.

    ولا تجد اميركا مشكلة كبيرة في هذه النقطة أيضاً، ولا شك أنها تمتلك احتياطاً كبيراً من ساسة العراق المخترقين بملفات وأفلام خطيرة، ويمكنها أن تختار من بينهم من يناسبها، من القابلين بالإزاحة باللين(كما في أمير قطر أو المالكي) أو بالمجابهة إن تطلب الأمر. لكن مما لا شك فيه أن لا أحد يتفوق على أياد علاوي صاحب "قطار الفضائح الطويل" (3)(4) في عدد وقوة تلك الملفات التي تدينه وتحطمه عند الحاجة.

    وتبقى هناك نقطة أخرى لعلها أهم نقاط تفوق أياد علاوي وإصرار الحكومة الأمريكية عليه دون منافسيه على منصب الذيل، هي ميزته الثالثة، وهي أن يكون "مقطوع من شجرة". أي أن لا يكون وراءه حزب حقيقي ورفاق حقيقيين، وهي تفضل ذلك حتى على من كان هو وحزبه ورفاقه أمريكيي الهوى (مثل أحزاب كردستان والأحزاب السنية والمجلس الأعلى)، فهي تعلم تماماً أن هذا "الهوى" قد يتغير، أو قد لا يتحمل مشاريعها التحطيمية حتى النهاية، وهي لا تريد أن يكون هناك "زخم" حزبي يضغط على “رجلها” ، ويضطرها إلى بذل الجهد من أجل إقناعه أو الضغط عليه لتنفيذ مشاريعها في أطوارها الأكثر فضائحية. إنها لا تفضل رجلاً قد يتعذر يوماً بأن هذا الموقف “سيجعله عرضة للهجوم من رفاقه” أو حزبه، وبالتالي، وإن كان لا مفر من وجود هؤلاء "الرفاق" فيجب أن يكونوا من الخانعين تماماً لإرادة قائدهم – رجل أميركا. ونحن نعلم أن رفقة أياد علاوي قد تمت تصفيتها مع الوقت وخلت من اي رجل يخجل أو إمرأة تخجل من أن "يدار بالتلفون من عمان"، وبالتالي فتبعية أياد علاوي نظيفة من أي أثر لإحساس بكرامة قد تزعج أو تعرقل تنفيذ الإرادة الأمريكية والإسرائيلية يوماً ما، حتى في أقصى مراحلها المحرجة صراحة وافتضاحاً في أذيتها.

    ويمكننا أن نلاحظ هنا، أن الفارق بين علاوي والمالكي الذي تمت إزاحته، قد يكون في هذه النقطة بالذات. فالمالكي بالتأكيد ليس رجلاً نظيفاً، وقد أعتمد الكذب والمراوغة لخداع شعبه بشكل مكثف لتمرير الإرادات الأمريكية الكردستانية المرة بعد المرة، وكلف العراق أموالاً هائلة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، منحها بتنازلات ليس لها أي معنى إلى الذيل الكردستاني أملاً في رضاء الخندق الأمريكي الإسرائيلي عنه. لكن المالكي وصل إلى منصبه من خلال حزب حقيقي، مازال في قيادته البعض ممن يستطيع أن يرفض أو يقول لا، وكان على المالكي دائماَ أن يجد طريقاً بين الإرادة الأمريكية وإرادة هؤلاء الرفاق “المزعجين”. ورغم تحيزه الشديد للإرادة الأمريكية، واكتفائه بإرضاء "الرفاق" والشعب بالعبارات الإعلامية الرنانة الفارغة، فإنه لم ولن يستطيع أن ينافس من يكون حراً تماماً من تأثير الرفاق في تنفيذ ذلك التحيز، وأن يكون مثلاً بصلافة تنافس صلافة مثال الآلوسي في علاقته بإسرائيل ومؤسساتها الأمنية والعسكرية حين يتطلب الأمر.

    كما أن وجود هذه الرفقه الخارجة ولو بشكل ضئيل عن الإرادة الأمريكية المباشرة، يجعل من الممكن للمرشح لمنصب الذيل أن يستعين بها مستقبلاً إن تطلب الأمر، لرفض تنفيذ الأوامر الأمريكية حين تصل المرحلة التي قد يرى فيها تهديدا شخصياً له. لقد وجد المالكي في نفسه القدرة على أن يهدد السفير الأمريكي بالطرد، عندما وصل تدخل ذلك السفير في انتخابات سابقة، إلى تهديد فرص المالكي وحزبه في الوصول إلى الحكم. كذلك وجدنا أميركا تضطر لإيفاد جون كيري إلى المالكي وحزبه للضغط عليهما من أجل دعم داعش في سوريا (قبل أن تدخل داعش العراق بشكل كبير) رغم أن داعش كانت تهدد العراق بشكل صريح. وقد رفض المالكي وحزبه ذلك الضغط، واكتفيا بموقف حيادي من المعركة (التي كان يفترض في العراق أن يلقي بكل ثقله في الجانب السوري المعادي لداعش والحكومة الأمريكية)، ومثل هذا "الحياد" من ذيلها، يمكن قبوله مرحلياً فقط بالنسبة لأميركا وإسرائيل. وقد عبر عن هذا الموقف الأمريكي الرافض للحياد، ممثل أميركا في العراق، وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري، عندما كان يصرح بالعكس تماماً من تصريحات "رئيسه" فيقول، "إن العراق لن يقف على الحياد" بين الشعب السوري واعدائه (أي الحكومة السورية – وجهة النظر الأمريكية الإسرائيلية). اليوم نرى العراق يشارك تحالف "محاربة الإرهاب"، رغم أن ذلك التحالف لا يتكون إلا من ذات العصابة التي خلقت ودعمت وتدعم "داعش"، التي قلنا انها ليست سوى فرقة إرهابية إسرائيلية من المجندين المسلمين.

    لقد كانت فترة المالكي مدمرة للعراق وثرواته واستقلاله، وقد هيأت الوضع للمرحلة القادمة التي تتطلب سرعة أكبر في تنفيذ المشاريع الإسرائيلية للبلد وتجزئته، وبالتالي فقد كان المالكي باستسلامه وانبطاحه (في الغالبية الساحقة من المواقف) للضغوط الأمريكية، يحفر قبر حكمه، ويهيء الظرف لمن سيأتي بعده والذي سيكون أكثر انبطاحاً منه وأقل ضجيجاً. لقد أسهم المالكي بشكل كبير جداً في تحطيم العراق بموقفه السلبي الذي ترك لأعداء الشعب الفرصة كاملة ليسلبونه المزيد من ثرواته وسيادته وزرع اليأس فيه وزيادة انشقاقه وتثبيت فقره وتطبيع الكثير مما هو غير طبيعي وجعل ما كان مرفوضاً، مقبول، وزاد من سلطة الفساد في المؤسسات العراقية بشكل كبير، فدعم فساد القضاء وأسهم فيه واستفادة منه، فمنع التحقيق مع اللصوص مثل وزير الشباب، ذلك اللص المفضوح تماماً، وأسهم كما فعل سلفه صدام حسين في تثبيت روح الأناينة وعدم الإحساس بالشرف والوطن وإعطاء الصورة للمواطن بأن "الجميع لصوص" و "كذابين"، ليكون هذا المواطن لصاً آخر معهم، وسمح للطائفية أن تتركز وتثبت دون أن يتخذ أي إجراء لردعها، واكتفى بالتصريحات الإعلامية المضادة لها، كما لعب دوراً أساسياً في تهريب وإفلات ضباط الجيش العراقي العملاء لأميركا من القصاص بعد قيامهم بخياناتهم الصريحة وتسليم المدن الكبرى بلا مقاومة إلى داعش. كذلك أسهم “الرجل” بإدامة الإرهاب وتركه يأخذ مجاله الكامل، ليس فقط بشراء أجهزة كشف المتفجرات المزيفة ، بل والوقوف في صف من فعل ذلك وإدامة بقاء استعمالها حتى بعد أن كشفت فضيحتها وأدانت بريطانيا مصنعها بالإحتيال!

    لكن المالكي رغم كل ذلك كان حريصاً أن يظهر بمظهر "الحيادي" بين شعبه و الإرادة الأمريكية الإسرائيلية المدمرة له ككيان مستقل، ولعل خير مثال على ذلك موقف المالكي من تمديد القواعد العسكرية الأمريكية حين كان يهتف: "إن وافقتم فسوف أوافق"، والذي يشرح بوضوح حال صراع الضغوط التي كانت تسلط على المالكي في ذلك الوقت. إنه موقف غير مشرف بالتأكيد، ولا يمثل القائد الذي يأمل به أي شعب، لكنه أيضاً ليس الموقف الذي تأمله أميركا من ذيولها "المطلقة"، والمتمثل بأن يلقي هذا الذيل كل ثقله في الجانب الأمريكي من معركة الصراع مع الشعب العراقي، وهو الموقف الذي يمكن لأميركا أن تنتظره بلا شك لو كان علاوي أو عادل عبد المهدي أو من هو مثلهما، على رئاسة الحكومة.

    إن فهم هذا الجانب من حقيقة ما يجري، يزيل صعوبة فهم موقف بعض المعترضين على المالكي ومنتقديه. فالكثير ممن انتقد المالكي لم يكن يفعل ذلك من أجل إصلاح الحال، بل زيادة سرعة تدميره للبلاد، مثل اانتقادات التحالف الكردستاني ومثال الآلوسي ومعظم الشلة التي التأمت في ما يسمى بالتحالف المدني الديمقراطي من طامعين وإسرائيليين ويساريين تائبين وطيبين متفائلين إلى درجة الحماقة، والتي لا تجد ما تطالب به من أهداف سوى ما تملي عليها كردستان من مطالب دون حتى قراءتها، مثل إقرار قانون النفط الذي تريد الشركات فرضه على العراق، أو المطالب الكردستانية المباشرة الطامحة إلى المزيد من الإبتزاز للشعب العراقي.

    ولا ننتظر من رئيس الحكومة الحالي إلا السير في هذا الطريق، وقد بدأت علامات ذلك الإتجاه بالفعل، إن نجحنا بحل شفرة الخطاب السياسي للعبادي.

    ففي أول خطاب له وعد رئيس الوزراء الجديد أن "يحل جميع المشاكل" مع الإقليم، وهنا يجب أن نضع علامة استفهام مهمة: كيف يستطيع مفاوض أن يعد بحل جميع المشاكل، وهي رهن بمدى تعاون الطرف الآخر الذي لا سلطة له عليه؟ قال العبادي أنه سيتعامل "بروح إيجابية"، مما يفهم منه أنه يعتبر ان المالكي لم يكن "إيجابياً" في السعي للحل، بينما نرى نحن أن المالكي لم يكن إيجابياً فقط بل كان منبطحاً لكردستان وسلمها عشرات المليارات من خزينة العراق ووافق في النهاية على كل ابتزازاتها تقريباً، (حتى قصة قطع الرواتب كذبة قصيرة الزمن تطلبها الموقف الإنتخابي كما لدينا من معلومات قد نضمنها مقالة قادمة) فما الذي يقصده رئيس الحكومة الجديد بـ  "الإيجابية" التي يضمن من خلالها "حل جميع المشاكل" وهو ليس سوى طرف واحد من أطراف اللعبة؟

    لو قال لاعب شطرنج أنه سوف ينهي دستاً بسرعة، لفهمنا أنه لا بد أن يقصد انه سيستسلم، لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يقرره لوحده دون انتظار موقف الجهة المقابلة، لإنهاء صراع الدست. وبنفس الطريقة فإن وعد المفاوض بأن المفاوضات ستنتهي بالإتفاق، فلا يعني ذلك إلا أنه سيوافق على شروط الطرف الآخر كلها. وبالتالي فإن ترجمنا عبارات حيدر العبادي الملتبسة إلى كلام مفهوم، فإنه يعد بتقديم تنازلات كبيرة إلى كردستان تفوق ما قدمه لها المالكي حتى الآن، وبالحجم الذي يعلم أنه سيرضي كردستان. وهذا أمر متوقع فلا يمكن أن تسعى كردستان لاستبدال المالكي بشخص آخر ما لم تكن قد اتفقت معه (وبتنسيق أمريكي) على قبول ابتزازات محددة تزيد عن ما قبله المالكي، وأن كل "المفاوضات" ليست سوى مسرحية تجس نبض "المشاهدين" وهي تتقدم في مشاهدها الضرورية للحبكة النهائية المخططة، رغم أن الممثلين قد لا يبلغون بكل التفاصيل الصغيرة لأدوارهم مسبقاً، وهو ما قد يثير بعض التوترات المتناثرة بين الحين والآخر، والتي سوف يعجز المشاهدون عن تمييزها عن ما هو تمثيل كامل.

    الشيء الآخر المهم الذي نفهمه من كلام حيدر العبادي، هو انه قد قرر اتباع ذات أسلوب المالكي المميز بالكذب على الشعب ومراوغة الكلمات لإعطاء قراراته التي خطط لها أن تبيع بقية العراق لمحتليه ومبتزيه، معنى يبدو "إيجابياً". وربما يكذب العبادي ويراوغ لأنه يتوهم أنه بصدد حالة عابرة لا مفر من إرضاء الأمريكان وكردستان فيها، لتمرير صعوبات تشكيل الحكومة وتثبيت منصبه، لكنه سيكتشف سريعاً أن تلك الحالة "العابره" هي القاعدة الثابتة الدائمة، وأن ضغوط الإبتزاز لن تنتهي ولن تخف، وأن التنازلات للإبتزازات لن تنتج سوى المزيد من الضغوط من اجل ابتزازات جديدة. ولو كان للعبادي أن يرى وسط ضباب السلطة الجديدة المخدِّر، لرأى أن سلفه قد عاش كل حياته السياسية في حالة "عابرة" من “الإبتزاز المستمر” المتزايد لأميركا وكردستان وانتهت به إلى هذه النهاية المثيرة للشفقة و الإستهجان. ولو راجع مواقف أميركا من المالكي وأعاد رؤية الأفلام التي تودد إليه بها مبعوثي الأمريكان وحجم وعودهم له ونفخهم برأسه سواء مباشرة أو من خلال بقية امتداداتهم مثل ممثلة الإتحاد الأوروبي هيباشكوفا التي وصل بها الأمر أن تعامله كالأطفال حين تقول له أنها تنتظر منه أن "يقود العالم" في حربه على الإرهاب، وهي تعلم أن شرطياً صغيراً في الناتو يعرف عن الإرهاب أكثر مما يعرف المالكي وكل "حبربشية" مستشاريه السمان. لو كانت رئيسة جمعية الصداقة الأوروية الإسرائيلية هذه ترى أن أمامها شخصاً سوياً لترددت في الكلام معه بهذه الطريقة، لكنها تعلم أنها أمام شخص طبخت السلطة عقله، وصار يصدق أنه قائد عظيم وأن مواهبه أتاحت له أن يأمر قادة جيشه بأن "يفعلوا العكس مما كانوا يفعلون" فانتصروا في المعركة! وأن إبنه الكراندايزر وريث تلك العبقرية والشجاعة غير الطبيعية!

    كتبت في عام 2008 مقالة بعنوان “المالكي وسيناريو السادات”(5) محذراً المالكي من أن التنازلات للجانب الأمريكي سوف تستخدم في النهاية ضده، ومن قبل ذات الجهة التي تضغط عليه لتقديمها إليها، وأنه قد يكون ضحية خطة السادات الأمريكية الإسرائيلية، والتي تمثلت بالتخلص من الأخير بعد أن قام بمهمته في تحضير الوضع المصري لمهمة عميلهم المباشر والصريح حسني مبارك، والذي يريد ويستطيع أن يلقي بكل ثقله وراء تلك المشاريع بلا مناقشة أو ضوضاء. ويبدو أن ما حذرت منه قد تحقق اليوم، وإن كان "أغتيال المالكي" قد تم بلا عنف.

    إن ما ذكره جورج بوش في هذا الفلم(6) ليس سوى تهديد ملفوف بصيغة التحذير لضرورات السياسة. إنه يتظاهر بتحذير العراق من الإرهاب و "اضطرار" الأمريكان للعودة إليه في ظروف أصعب، بينما هو يهدد بوضع العراق تحت سلطة القاعدة التي أسسوها وبقوا يدعمونها هي وكل الإرهاب الإسرائيلي المغلف بالغلاف الإسلامي، ويهدد بعودة القوات الأمريكية ثانية... إن أصر العراقيين والأمريكان على سحب قوات الإحتلال الأمريكية من العراق!

    إن التبعية للسياسة الأمريكية الإسرائيلية ولوك الكلام عن "الدعم الأمريكي" و "الصداقة الأمريكية" وهم كبير خطير.. وهو المخدر الضروري لقيادة هادئة للبقرة العراقية إلى مذبحها، بسلاسل من الكوارث التي تتبع بعضها البعض. وإلى أن يصحو العراقيون على الكارثة الجديدة، وحقيقة الحكومة الجديدة ورئيسها ومهماتهما، تكون الحقائق على الأرض قد فرضت نفسها ووصلت مرحلة يعجزون فيها عن مقاومة السيل الجارف، ويكون الرئيس الجديد قد أُخرج بذات الطريقة التي أُخرج بها المالكي من قبله وأخرج بها الجعفري من قبلهما، وسيتظاهر العبادي كما يتظاهر المالكي وتظاهر البكر قبلهما، بالرضى بالتغيير وينشد الإعلام نسخة جديدة من انشودة "القائد سلم القائد أمانه"...وتستمر التراجيديا الكوميدية الأمريكية في العراق فصلاً آخر، وتغور مأساة الشعب العراقي في درك آخر من المذلة والألم وفقدان الأمل.

    (1) صائب خليل:" متى يعترض عادل عبد المهدي ومتى يقبل؟"

    http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/20usa.htm

    (2) نيويورك تايمز تكشف كيف يختار لنا أصدقاؤنا زعماءنا / صائب خليل

    http://95.211.218.232/index.php/maqal/67404.html

    (3) علاوي ذلك القطار الطويل من الفضائح، من يمثل؟ (1)
    http://almothaqaf.com/index.php/maqal/13215.html

    (4) صائب خليل: علاوي، ذلك القطار الطويل من الفضائح(2)

    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/23alawi2.htm

    (5) صائب خليل:“المالكي وسيناريو السادات”
    http://www.al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/24malki.htm

    (6) ملخص لما يجري في العراق الآن ... قاله الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في مؤتمر صحفي

    https://www.facebook.com/video.php?v=10152733171327668

     

     

  • لماذا لا يتنازل الأسد ؟

    هناك سؤال دائم الحضور في الإعلام : لماذا لا يتنازل الرئيس الأسد عن الحكم و يخرج الخروج …الآمن الذي يتحدث عنه الرئيس باراك أوباما لكل الرؤساء العرب ، لنفترض أن الرئيس الامريكى صادق في ما يقول و عازم فعلا على “تمكين ” الرئيس الأسد من فرصة الخروج الآمن ، فما هي الشروط الأمريكية المطلوبة حتى يمكن اقتطاع تذكرة دخول الملاذ الآمن للرئيس السوري و ما هو المطلوب منه باختصار ، و لماذا يطلب من الرئيس الأسد مغادرة الحكم ، و هل أن ما ينسب للرئيس السوري من انتهاكات مختلفة صحيح ، و هل يمكن لدولة معينة أن تفرض مغادرة رئيس دولة أخرى الحكم بناء على معطيات أو اتهامات منسوبة دون أدلة مقنعة ، و من فوض الإدارة الأمريكية هذا الحق و لماذا تصر هذه الإدارة على إعطاء نفسها سلطة تقديرية متوحشة لتعزل من تشاء و تقر بقاء من تشاء .

    بطبيعة الحال ، حدثت أخطاء في سوريا ، في كل العناوين ، و الرئيس الأسد هو من يتحمل وزر هذه الأخطاء بالتفصيل و بالجملة ، (يمكنكم متابعة المزيد من الاخبار على الصفحة الرئيسية لوكالة أوقات الشام الاخبارية )  لكن في سوريا هناك قضاء و هناك حق تقاضى يكفله الدستور السوري للمواطن ، و بالتالي فإنه من حق كل مواطن أن يتظلم من النظام و من رئيس النظام و سلطة النظام ، هذا يحدث في سوريا و في بقية دول العالم ، لكن ما يحدث في سوريا منذ ما لا يقل عن 4 سنوات لا علاقة له إطلاقا بأخطاء النظام أو بوجود مطالب شعبية أو بثورة شعبية غايتها معارضة التوجهات الاقتصادية و السياسة للحكومة السورية ، ما يحدث ببساطة و دون لف أو دوران هي مكيدة صهيونية و مؤامرة خليجية أمريكية غربية صهيونية قذرة لا علاقة لها بالشعب السوري أو بمطالبه الحقيقية .

    إذن ، هل المطلوب من الرئيس مغادرة البلد حتى يتم تنفيذ المؤامرة الإرهابية السعودية الصهيونية ؟ هل المطلوب أن يستعيض الشعب السوري عن النظام المدني بنظام خليط من الإرهاب التكفيري السعودي و النازية الصهيونية و الهيمنة الأمريكية الغربية الامبريالية ؟ هل أن الأخطاء المنسوبة للرئيس تساوى عشر ما تقوم به الجماعات الإرهابية السعو-صهيونية من دمار و تدمير و قتل و تقطيع جثث ؟ هل تمثل داعش و أخواتها الصهيونية الأنموذج المثالي المطروح على الشعب السوري ؟ ما هي مواصفات النمط المجتمعي الذي تطرحه الجماعات التكفيرية سوى الانتهاك الجسدي و القتل على الهوية و التكفير ؟ ثم ، هل أن النظام السعودي نظام يحمل مواصفات ” مدنية” مقبولة تفوق ميزات النظام المدني السوري ؟ هل أن الفكر الصهيوني بتطرفه و غلوه و إرهابه يمكن أن يكون بديلا مقبولا للشعب السوري ؟ هل أن أطروحات الإخوان في تركيا هي الحل أم المشكلة ؟ هل تحققت العدالة الاجتماعية للشعب الأمريكي و هل أن النظرية الامبريالية الفاشلة بكل عناوينها تشكل للسوريين الملاذ المطلوب ؟ .

    من غير المنطقي التفكير أن مجموعة ” أصدقاء سوريا ، بالذات السعودية ، إسرائيل ، تركيا ، أمريكا يريدون الخير للشعب السوري ، هذا هراء و غباء ، و لأنهم يعلمون أن الشعب السوري ليس بالغباء حتى يصدق ما يزعمون ، فقد تعمدوا الاعتداء عليه قصدا و تدبيرا بواسطة الجماعات الإرهابية السعودية بنازع الانتقام لوقوفه إلى جانب نظامه و من يقف على رأسه ، و حتى الائتلاف السوري ” المعارض ” قد شارك في هذا الاعتداء الوحشي الدموي على الشعب السوري ، و لأول مرة في التاريخ يتم تنصيب ” معارضة” بمثل هذا الجبن و العمالة لتعطى الغطاء لتدمير شعبها في كل ثرواته البشرية و الاقتصادية و العلمية ، و لأول مرة يتم الاستنجاد بالفكر التكفيري السعودي الإرهابي لتلطيخ سمعة الدين الإسلامي في الحضيض ، أي ضرب عصفورين بحجر واحد ، الإساءة للإسلام و إسقاط دولة مقاومة في نفس الوقت ، لذلك تعرت النوايا الإرهابية السعودية الصهيونية بشكل غير مسبوق و بات الجميع على علم بحقيقة الملك عبد الله و تحالفه المفضوح مع الكيان الصهيوني .

    حين رفعت إسرائيل و أمريكا شعار إسقاط الرئيس السوري ، كانتا متيقنتان من الدور العميل لتركيا و السعودية بالذات ، و كونهما سيشكلان حجر الزاوية الأهم في مشروع تدمير ركن مهم من أركان المقاومة ، فالملك السعودي يقطر خيانة و تركيا العثمانية متعودة على اغتصاب الروح البشرية و إزهاقها ، لكنها لم “تقتنع ” أو لم تقنع بهذين الحليفين العميلين و سلطت ضغوطها الكثيفة على الجامعة العربية المتهالكة و على تونس و على لبنان و الأردن ، المتعاطف مع الصهيونية دائما ، فكان أن وفرت الجامعة الغطاء العربي للتنفيذ و قطعت تونس حبل العلاقة مع سوريا و أبتدع العميل ميشال سليمان ما يسمى بسياسة النأي بالنفس ، في حين تفرغ الأردن ليكون “مطبخ” كل الأفكار الصهيونية السيئة و مركز التقاءها و تصديرها إلى سوريا .

    بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، استفردت أمريكا بقرار القوة لإسقاط الأنظمة المعارضة لسياستها الإرهابية التوسعية ، من بين هذه الأنظمة تأتى سوريا على قائمة المعارضين منذ عقود من الزمن ، و بمنطق الرئيس جورج بوش الابن : من ليس معي فهو ضدي ، فقد بات النظام السوري ، العقل المدبر لمفهوم المقاومة و ترسيخ ثقافتها في الوجدان العربي ، مطلوبا للكابوى الأمريكي و بالتالي فقد توالت محاولات إسقاط هذا النظام منذ عهد الرئيس حافظ الأسد ، و تأتى المحاولة الأخيرة في سياق متصل بالبحث عن إسقاط الدور السوري في المنطقة حتى تهيمن سياسة التطبيع و الخوف في قلوب الأمة العربية و يصار إلى تنفيذ ” الحل الأمريكي ” بتفتيت الدول العربية إلى كانتونات غير متآلفة و قابلة للاضمحلال بمجرد النفخ في هواء بعض المؤامرات . يظن البعض أنه بمقدور الدور الإرهابي السعودي الصهيوني إسقاط النظام السوري ، يتناسون أن السعودية دولة هامشية هشة لا تساوى شيئا في موازين القوة في المنطقة مهما وفرت من “كوادر إرهابية” و أن إسرائيل قد هزمت بمنتهى ” السهولة” من حزب الله في معركة تغيير موازين القوة في المنطقة في حرب تموز 2006 ، و لان حزب البعث ، مهما اختلفنا معه أو عليه ، يظل رافدا سياسيا قويا و مهما في أذهان الشعب السوري و قواه الحية المناضلة ، فقد بات من المستحيل تخلى الرئيس عن قيادة هذه الأمة في لحظتها التاريخية المصيرية و بات مستحيلا على أي “ائتلاف” دولي إسقاط هذه القوة الهادئة التي استطاعت فرض نصر بقوة التخطيط المتعدد الأهداف و بات العملاء يخططون لاسترضائها حتى لا تهتز عروشهم قريبا على وقع الغضب السوري ، نحن أمة ننتصر أو نموت ، قالها الشهيد عمر المختار ، غير أنه من الظاهر أن الغرب ، هو أيضا ، لا يقرأ مع أنه هو الذي يسلط هذا الاتهام على الشعوب العربية .

    بانوراما الشرق الاوسط

  • بلا تعقيد: جوهر المخطط الأميركي

    أتمنى على من لا يزال يعول على جدية الغرب الإستعماري في حربه على الإرهاب، أن يخرج من رأسه هذه الأفكار الس...اذجة. إن قضية محاربة الإرهاب مفتعلة من أساسها ابتداءاً بتفجيرات 9/11 المذيلة بتوقيع صنيعة الأميركان الأولى بن لادن وانتهاءاً بالوليد الجديد للدوائر الإستخبارية الصهيوأمريكية "داعش".كل المنظمات الإرهابية بشكل مباشر أو غير مباشر مسيرة من قبل تلك الدوائر وتخدم في المحصلة المخطط المرسوم للمنطقة والعالم منذ عشرات السنين على الأقل.الأميركان دهاة في خلق الأهداف الوهمية وذر الغبار في العيون والصيد في المياه العكرة، فإن صرحوا أنهم قلقون من احتمال نشوب حرب أهلية في بلد ما فإن هذا يعني أنهم يعملون على إشعالها، وإذا صرحوا أنهم يخشون وقوع كارثة إنسانية فهذا يعني أنهم يعملون على إحداثها ليصار إلى توظيفها لاحقاً. ولم يعد ذو عقل قادراً على تصديقهم.
    إن ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية في منطقتنا العربية بات واضحاً رغم السحب الدخانية التي يطلقونها بين الفينة والأخرى لتشويش الرؤية وصرف الأنظار عن جوهر الأمور ويمكن اختصاره فيما يلي:
    في العراق:
    - تقسيم البلاد إلى ثلاث دويلات (سنية، شيعية، كردية) حيث يسند إلى الدويلة الكردية دوراً مشابهاً لدور إسرائيل.
    - في المرحلة الأولى (وهي قد بدأت الآن) تغذية الخلافات بين الحكومة المركزية والأقاليم وخاصة الكردي وإيصالها إلى نقطة الغليان وافتعال حرب استنزاف بينها قد تدوم لسنوات طويلة (تسليح الطرفين من قبل أميركا وحلفائها)
    - استخدام المسألة الكردية لإبتزاز الجوار العراقي (إيران وسورية وحتى تركيا) حيث تتواجد أقليات كردية تقوم بتحريضها على الإنفصال أسوة "بأخوتهم" في العراق.
    - وضع آبار النفط الكبرى في شمال العراق تحت "السيادة الكردية" وضمان احتكارها من قبل الشركات الأميركية بشكل حصري.
    - في البعد الإستراتيجي: إسقاط العراق أو ما تبقى منه من معادلة مواجهة الخطر الصهيوني بشكل نهائي.
    في سورية:
    - تمزيق الدولة السورية عبر إنهاكها بموجات متتالية من الفرق الإرهابية التي ستتناوب على إشغال الجيش السوري عن الجبهة الأساسية ضد إسرائيل وصولاً إلى إسقاط الدولة السورية.
    - إن كتب لها النجاح في ذلك (ولن يكتب) ستكون الخطوة التالية هي إما تقسيم البلاد إلى دويلات طائفية وعرقية كحل مزعوم لوقف الإقتتال يفرض أممياً أو تسليم السلطة لدمى تابعة لها.
    - بالطبع الهدف الأهم هو رعاية صلح تطبيعي بين الكيانات (أو الحكومة المصنعة أميركياً) والكيان الصهيوني وإنهاء القضية الفلسطينة وشطب مسألة الأراضي العربية المحتلة من الأجندة الأممية وإلى الأبد.
    على مستوى المنطقة:
    - إخضاع منطقة الشرق الأوسط للكيان الصهيوني عبر تسريع ديناميكية الإعترافات المتبادلة وتفعيل "التعاون" في كافة المجالات (وهذا ما رأينا بوادره في تصريحات ولقاءات شخصيات المعارضة المركبة أميركياً مع شخصيات إسرائيلية وحتى زيارات إلى الكيان الصهيوني)
    - نظراً لضعف الكيانات الناشئة عن تفتت سورية والعراق (وربما دول أخرى تنتظر نفس المصير)، فإنه ستسهل إدارتها من قبل واشنطن وتل أبيب.
    - السيطرة التامة والنهائية على ثروات المنطقة من نفط وغاز وغيرها.
    على مستوى العالم:
    - توريد عدم الإستقرار إلى إيران باتجاه روسيا في الشمال ومنها إلى الصين.
    - بذلك تكون قد وجهت ضربة مميتة للحلف الدولي الصاعد الذي تتزعمه روسيا وإجبارها على التقهقر والإنكفاء إلى حدودها الداخلية والإعتراف بتكريس الهيمنة الأميركية على العالم.
    - وكنتيجة لما سبق تكريس احتكار الشركات الأميركية بشكل خاص والغربية بشكل عام على منابع الطاقة وأسواق الإستهلاك العالمي ما يساهم ليس فقط في إنقاذ الإقتصاد الأميركي والغربي المتأرجح على حافة الهاوية بل وفي استعادة أمجاده الغابرة.
    هذا هو بوضوح المشهد كما يخطط له الأميركان وكل ما عدا ذلك تفاصيل تكتيكية أو قضايا هامشية يتم من خلالها إشغال شعوبنا الساذجة عن مخططهم الجهنمي.

  • هل مرت عاهرات ليفني على بغداد؟

    يدهش العراقيون (من العرب بالذات)، كما يلاحظ من تعليقاتهم على المقالات والأخبار، من مدى الخيانة والإنحطاط الأخلاقي الذي يمارس به ساستهم السلطة، والخضوع المذل والمهين للإملاءات الأمريكية الموجهة لتدمير البلاد وتفكيكها، وحتى للإبتزازات الكردستانية التي ما انفكت تتزايد بلا حدود، فيطالب الجحوش السمان من ساسة كردستان، مأبوني ساسة بغداد بالمزيد من ثروات البلاد وسرقتها من قوت فقراء الشعب الذي ابتلى بهؤلاء بأكثر مما ابتلى بصدام حسين، فكان نتاجهم للعراق خلال أكثر من عقد من حكمهم القبيح، الخراب والضياع والفساد والتحطم الإجتماعي والإختراق الأجنبي... وكل كارثة يمكن تخيلها على بلاد.

    المدهش أكثر أن كل تلك المذلة وذلك الإبتزاز الذي سمح المالكي أن يمرر عبر حكمه، لم يكن كافياً للخندق الأمريكي الإسرائيلي الكردستاني، ولا غرابة في الحقيقة من ذلك، فهم يرون أن في الساحة السياسية العراقية من هو أكثر استعداداً للإنبطاح حتى من المالكي وحكومته، فجاءوا في ليلة ظلماء بحيدر العبادي والعصابة التي أحاطوه بها. وبدأ الرجل "مرحلته" بالتآمر على رفاقه والإلتفاف على الدستور والحصول على الدعم الأمريكي والإرتياح الخليجي بشكل مشبوه، كما يظهر بوضوح من لقاء النائب حنان الفتلاوي حول الموضوع، والحقائق التي طرحتها، ويجب مشاهدتها باهتمام سواء كنا نحب الفتلاوي أو نكرهها.(1)

    تصرفات رئيس الحكومة الجديد وتصريحاته تكشف أنه قرر اتباع المراوغات والكذب على الشعب الذي نصب زعيماً له، وهو ذات الكذب وذات المراوغات التي سار سلفه عليهما، وقدم العبادي كما هو متوقع برنامجاً من كلمات فارغة حول محاربة الإرهاب والفساد وأخرى مشفرة مثل "حل المشاكل مع كردستان بروح إيجابية"، والتي تشرح كل شيء. اختار العبادي للنفط (أو اختير له) شخص ذو تاريخ مشبوه وحاضر أكثر شبهة، ينتمي لكتلة منبطحة بكليتها للأمريكان، ولا يعرف عن النفط إلا ربما كيف يدير عملية سرقته. وأمّنَ "شحمة" المالية عند "بزون" كردستان، وهي التي تسرق أكثر من ضعف حصتها قبل هذا، ووضع زيباري، الوزير الموظف في السفارة الأمريكية، في منصب أعلى، وأجلس عميد عملاء المخابرات في مكان "قرب قمة هرم السلطة" كما أراد بايدن وأوباما قبل بضعة سنين، وشارك في حكومته ساسة السنة من ذيول كردستان الذين لا نعرف منهم شريفاً، من النجيفيين المأبونين إلى بقايا الصداميين، ويقوم اليوم بتسويق الكذبة العالمية الكبرى بأن أميركا تريد دعم العراق وتحارب الإرهاب، وأشرك بلاده في تحالف ذيول الخليج الإرهابيين في عصابة ترفع شعار “محاربة الإرهاب” بقيادة الدولة التي صنعت الإرهاب والداعمة علناً للإرهاب، والتي تريد من فريقها من الذيول هذا، شرعنة قصف سوريا بحجة قصف الإرهاب فيها، بعد تاريخها العلني في دعمه سنيناً. ولأجل تبرير انضمامه لتحالف الإرهابيين العرب والأمريكان هذا، فهاهو العبادي يسعى لتسويق هراوات الإرهاب الأمريكي الأشد، قطر وتركيا، والتي يريد إقناعنا بأنها قد "غيرت موقفها"، و "ترغب بالتعاون" (2) دون أن يشرح لنا كيف ولماذا حدث ذلك "التغيير"، وكأن للذيول إرادة و"موقف" تثبت عليه أو تغيره!

    ولو كان هذا الحديث قبل بضعة سنين حين كانت إسرائيل تحبك مسرحية ذيولها في قطر وتركيا على مستوى غير مسبوق من التمويه (والتي انخدعنا بها فعلاً)، فتعقد قطر مؤتمر قمة عربي تمثل فيه حماس الفلسطينيين وتثير غضب توابع إسرائيل، ثم تدعم متظاهري ربيع مصر،... ويطلق أردوغان أسطول حريته على إسرائيل بعد أن يؤنب أحد قادتها... لو كان حديث العبادي في تلك السنين، لقبلنا الأمر، أما اليوم فقد كشفت اللعبة ولاعبيها، حين حانت لحظة الحسم في تقديرهم، فانقلبت كل من قطر وتركيا، وانضمتا كأكبر داعمين، إلى فرق الإرهاب في سوريا. هذا المؤتمر الذي تلمح إسرائيل ذاتها إلى رغبتها في الإنضمام إليه، إن سمح ماء وجه العبادي وبقية ذيول الخليج...

    إن المراوغات اللفظية لتبرير الفضيحة، تذكرنا بذات المراوغات التي حاول المالكي قبل ذلك من خلالها، تبرير توقيع المعاهدات مع أميركا، وكان يتصور أن أميركا ستكافئه بحكم دائم على تلك "التضحية" غير المشرفة.

    يتساءل العراقي اليوم بحسرة: كيف وصل الأمر إلى هذا الحال؟ ألم يكن هؤلاء الساسة هم الذين خاطروا بحياتهم من أجل مبادئهم وكان يعقد الآمال عليهم؟ ألم تكن الديمقراطية والدستور وانتخاب الحاكم أعز أمنيات شعبهم هذا؟ لدينا اليوم شخصية ترفع إلى أعلى منصب في البلاد وهي لم تحصل إلا على 4000 صوت، وتنقلب على ذات الشخص الذي حصلت على مقعدها من خلال اصواته، وتحطم في دربها أي بقية احترام كان للدستور، معرضة بذلك البلاد مستقبلاً لكل أنواع المخاطر السياسية والإنهيارات التي لا يستبعد أن تأتي بدكتاتورية حقيقة بعد ذلك، فأي شيء يمكن أن يقف عنده مثل هذا الشخص الذي صار رئيساً لحكومتنا بالرغم منا؟ ومن الذي يمكن أن يكون قد جاء به إن لم تكن أصوات الشعب ورفاقه، إلا القوة الأخرى في الساحة، قوة خندق أميركا وإسرائيل وذيولها من ساسة السنة وكردستان؟ أنا لست معنياً بالتأكيد بنوري المالكي الذي يتحمل الكثير من مسؤولية تحطيم العراق وتسليم مقاليده، بطمعه وغبائه، لهذا الخندق العدو، ولست آسف لزواله بالتأكيد، لكني أكتشف من خلال طريقة إزاحته، حقائق مرعبة، وأنا آسف وخائف على العراق من هذه الحشرات البشرية الجشعة التي تتحكم فيه لحساب من يسلمها الحكم، ومستعدة لكل شيء من أجل ذلك!

    لا شك أن العراقي هذا يتحمل جزءاً كبيراً من مسؤولية ما حدث، بالسلبية المميزة له والأنانية والخوف والخذلان والمراوغة على الحق الذي لا يناسبه، تلك الصفاة القاتلة التي تركها تنمو فيه في الظروف الصعبة والجهل الكبير بزواغير السياسة الغربية وعدم فهم الديمقراطية، وخاصة أنها تتطلب شعباً يجب أن يملك إرادة أن يحكم بلاده بنفسه ويراقب حكامه ويحاسبهم ويزيحهم حال الضرورة.. كان الشعب العراقي على العكس من ذلك، فحتى في انتخاباته، كان يبحث عمن "يحكمه"، ويأمل بحاكم "عادل وفاهم وأمين وذكي وشجاع وشهم ... " الخ، لكي يعفيه من واجبه الديمقراطي بالمراقبة واتخاذ المواقف الحازمة. بل ان الشعب العراقي صار يبحث عن "دكتاتور عادل" ، أو "لوتي" حتى إن كان منحطاً “مثل نوري السعيد” (بتأثير مسلسلات إعلام التضليل، كما يبدو) ، ويأمل منه أن “ينقذه” مما هو فيه، كما بينت بعض التعليقات التي أقرأها على مقالاتي أو غيرها!

    سلبية الشعب مع الديمقراطية، خلطة خطرة تهدد بالكوارث، خاصة إن كان يملك تحت أقدامه ثروة كبيرة، وهذه السلبية واضحة حتى في ردود أفعال المواطنين على تغيير المالكي، والتي تدل على أنهم قد استسلموا للأمر الواقع، وأن الإنتخابات والفوز فيها لا يعني لهم شيئاً،(3) وبالتالي فهم مستعدين لقبول أي شخص تأتي به قوة مسيطرة، بلا اعتراض، مع أمل زائف بأن مثل هذا الشخص سوف يرعى مصالح الجهة التي لم يكن لها دور في مجيئه، أي الشعب، ويترك مصالح الجهة الأخرى التي فرضته على البلاد!

    أن تحطيم أخلاق المجتمع تحت ضغط دكتاتورية شرسة تمتد عقوداً طويلة من السنين، بحروبها وإذلالها، يدفع باتجاه تحطيم المجتمع وكثرة خفافيشه، ورغم ذلك فكل هذا لا يكفي لتفسير الدمار الذي حدث خلال عقد من السنين وهذا التبديد الشديد لمئات المليارات من الدولارات بدون بناء طابوقة واحدة في البلاد أو المجتمع! صحيح أن هذا هو الهدف الأمريكي الإسرائيلي بالذات، لكن بمقابل هذا التحطيم وهذه القوى الشريرة، كان هناك رد فعل شعبي حماسي واضح للإصلاح وللديمقراطية وللتآلف، وكانت شعارات وحدة الشعب وأطيافه هي الطاغية واشترك الجميع بعرس سقوط الطاغية حتى في أشد المناطق السنية المحسوبة عليه، فكيف أمكن لقوى الشر أن تغير هذا الزخم بهذا الشكل الكبير وتدفع البلاد إلى هذه الهاوية وهذا السقوط؟ لماذا لم يكن هناك من القادة من يستفيد من ذلك الزخم ويجيره لصالح البلاد؟ لو توفر نسبة من الشرفاء في الطيف السياسي العراقي، لما أمكن لأعداء الشعب الذين احتلوا البلاد أن يسيروا بها كل هذه المسافة الشاسعة نحو الأسفل! والإنتخابات الأخيرة كشفت أن العراقي لم يكن كما يبدو يملك رصيداً من الشرفاء حتى لكي يختار من بينهم من ينتخبه، فحتى الشريف الذي نعرفه، لم يمانع أن يلصق نفسه المرة تلو الأخرى بأحط ما أنتجت هذه الأرض من نماذج، وأفقد شعبه الثقة به!

    وأسوأ من حال قطيع الساسة، حال قطيع الإعلاميين الذين يعج بهم البلد، ومعظمهم قد باع ضميره وراح فصيل منهم يبحث عن طريقة لتسويق الإحتلال والدعوة لعودة قواته ويقوم من أجل ذلك بمختلف الحركات البلهوانية لكي يتجاوز كل الحقائق التي كشفها هذا العقد من السنين، وتلك التي كشفتها العقود السابقة. وراح فصيل آخر يروج للطائفية، قسم منهم بصلافة مباشرة، وآخر بـ "علمية" فيقضي أيامه يبحث في بطون كتب التاريخ عن "حقيقة" (أو أكذوبة) تؤكد له أن الشعب العراقي "ليس شعباً" أو أن "الشيعة والسنة دينان مختلفان" أو أن الطائفية متأصلة في العراقيين منذ أقدم العصور وبشكل لا رجاء فيه للشفاء، وهكذا لتكون هذه الفصائل مجتمعة، هجوماً على كل فئات المجتمع العراقي معاً. فلماذا باع الإعلاميون أنفسهم بهذا الرخص، مثلما فعل السياسيون؟ ألم يكن لهم ما كان لأمثالهم في بقية العالم، من حس إنساني واجتماعي يربطهم بالوطن؟ ألم تكن لهم ذكريات تخجلهم من هذا الفعل وتضع حدوداً للخيانة؟ ألم يكن لهم إحساس الإنسان الطبيعي بالكرامة الذي يمنعه من السقوط؟

    كيف اشترى الأمريكان كل هؤلاء الساسة وكل هؤلاء الإعلاميون، وكيف ضمنوا خيانة جميع الضباط في الموصل وغيرها بهذا الشكل القبيح؟ دعونا لا نقف عند حدود الغضب، بل نتجاوزه للبحث عن جواب موضوعي على هذه التساؤلات...

    هذه التساؤلات كانت في رأسي عندما قرأت قبل أيام تصريحات لوزيرة الخارجية تزيبي ليفني، المشهورة بـ "عاهرة الموساد"، تدعو فيها إلى مشاركة إسرائيل في التحالف الأمريكي مع ذيوله العرب وبضمنهم العراق، "لمحاربة" داعش.(4)

    ويبدو من كلام ليفني أن الشعوب العربية لم تطبخ بشكل كاف بعد لتقبل أن يجلس ساستها مع إسرائيل علناً في مؤتمر واحد، وتقتنع بأن هذا المؤتمر هو بالفعل من أجل "الحرب على الإرهاب"، وأن ذلك سيتسبب في رد فعل قد يخرب عملية التخدير المستمرة للبقرة العربية السائرة بهدوء إلى المسلخ. وهو نفس الإستنتاج الذي وصلهم من إطلاق بالونتهم "مثال الآلوسي" في بغداد لأكتشاف رد فعل الشعب العراقي على علاقة مباشرة مع إسرائيل، وقبلها بالونات الساسة والنواب الكرد الذين يشغلون مناصب عراقية، مثل مصافحة رئيس الجمهورية العراقية السابق لأحد مجرمي إسرائيل، ودفاعات النواب الكرد عن تلك العلاقة. ولعل سفينة النفط الكردستانية لإسرائيل ليست سوى إحدى بالونات الإختبار تلك، لقياس مستوى الإذلال الذي وصل إليه المواطن والسياسي العراقي العربي، ومعرفة رد فعله، وإن كان الوقت قد حان للخطوة التالية أم أنه بحاجة إلى المزيد من الإرهاب أولاً.

    كل البالونات التي نعرفها هذه، وأكيد أخرى لا نعرفها، قد أشارت كما يبدو لإسرائيل أن الوقت لم يحن بعد لتجلس ليفني على كرسي بجانب ابراهيم الجعفري "ليحاربا الإرهاب"! فالكره والإحتقار الذي يكنه الشعب العراقي لإسرائيل وأميركا واضح وقد عبر عنه في أكثر من مناسبة ورغم كل ضغوط الإعلاميين المأبونين لعقد من السنين، فما الذي يجعل الساسة العراقيون مختلفين عن شعبهم وقيمه وعواطفه بهذا الشكل الشديد؟ وكيف حقق آفي دختر ، وزير الأمن الاسرائيلي السابق، "اكثر مما خططة له إسرائيل" في العراق، كما قال في مؤتمر له؟ (5)

    الخبر عن رغبة تزيبي ليفني بمشاركة إسرائيل المؤتمر المشبوه لأميركا، يذكرنا بتاريخ وزيرة الخارجية الإسرائيلية، واستعمالها الدعارة لقتل بعض العلماء وأحدهم عراقي الجنسية، وتسجيل الأفلام للحصول على المعلومات من الساسة العرب وابتزاز آخرين وتجنيدهم لصالح إسرائيل. ومفهوم أنه من الصعب أن نجد سياسياً في الوطن العربي خاصة، لا يمكن إسقاطه بفضيحة جنسية، وجعله يفعل ما تريد إسرائيل، مهما كان صعباً.

    وهنا خطر ببالي سؤال: لماذا لا تكون "ليفني" جديدة قد تجولت بين ساسة العراق اليوم؟ بل لماذا لا تكون هناك فرق كاملة من العاهرات الإسرائيليات قد أرسلت إلى العراق ضمن الجيش الأمريكي لممارسة ذات الإبتزاز على الساسة العراقيين؟ لا شيء يمنع ذلك، ولا غرابة في هذا. فإن كانت مثل ليفني مستعدة لممارسة الدعارة من أجل إسرائيل، وحققت في ذلك نجاحات هائلة، فهل من العجب أن تفكر إسرائيل بإرسال فرق دعارة للعراق لتحقيق ما تخطط له و "أكثر مما تخطط له"؟ بل العجب أن لا يفعلون ذلك! إن منطق الأشياء يقول أن هذا في حكم المؤكد، خاصة وأن المجتمع العراقي المغلق، يجعل من هذه الطريقة فعالة جداً.

    فهاهي ليفني تكشف أنها ساهمت في اغتيال عالم ذرة عراقي في باريس بعدما عملت خادمة فى بيته تحت اسم مستعار وقامت باغتياله بالسم، وصدرت بحقها مذكرة توقيف قضائية باسمها المستعار ثم باسمها الحقيقى قبل أن ينجح اللوبى الصهيونى في فرنسا بوقف ملاحقتها قضائيا".(6)وكوفئت عاهرة الموساد على ذلك بانتخابها لمناصب عليا في إسرائيل، رغم أنها بقيت بحاجة إلى تأمين الحصانات قبل أن تتوجه إلى الدول الأوروبية.(7)

    وهنا عدت بذاكرتي إلى الضباط الخونة الكبار من جهة وإلى الإغتيالات لعدد كبير من الضباط الآخرين، وكيف أن فكرة "عاهرات ليفني" تستطيع بشكل ممتاز تفسير الكثير من الأعاجيب التي تحدث في العراق... فمن يطوع من ضباط الجيش من قبل هذه الفرق، ويقبل بالخيانة إغراءاً أو لتجنب الفضيحة بنشر أفلامه، ويتعهد بإطاعة أوامر السفارة الأمريكية - الإسرائيلية، يرفع إلى أعلى المناصب في الجيش بتوصية أمريكية، وتحت أغطية الضغط الأمريكي بحجة "المصالحة" و "مشاركة جميع أطياف الشعب العراقي" و "إلغاء الإجتثاث"، وتأمين اتصالاته مع عملاء من أمثال “أياد علاوي” الذي اجتهد بإعادة أكبر عدد ممكن من ضباط صدام إلى الجيش والأمن، و "مثال الآلوسي" الذي استلم ملف إعادة تأهيل البعثيين "التائبين" (لصالح إسرائيل) وبتكليف من ضابط ارتباطه يعالون. ومن يرفض من الضباط الطاعة، يتم اغتياله، كما تم اغتيال العلماء وكبار الضباط العرب في الماضي في باريس وغيرها.  

    وبوجود الجيش الأمريكي وسيطرته على مؤسسات الأمن،  والسفارة العملاقة في العراق فأن هذه الفرص تكون متاحة بشكل غير معهود. ولا يمكننا تفسير الإصرار الأمريكي على تمديد بقاء جيشه وحصانته، وتحمل تكاليفه العالية سوى مثل هذا الواجب. وهو يفسر لنا لماذا وكيف اغتيل اللواء "مبدر الدليمي" وغيره من الضباط الذين لم يسهل شراؤهم كما يبدو. إضافة إلى ذلك فأن اغتيال الطيارين القدامى خطوة مهمة وكبيرة في سد الطريق على العراق للعودة إلى شراء الأسلحة الروسية، (والذي استماتت ذيول كردستان لمنعه) حين يكتشف بعد قليل أن الأميركان لا ينوون تسليم العراق الطائرات الموعودة، رغم معاهدة "الصداقة" بين الذئب والخروف، ورغم تسليم ثمنها مقدماً وليس "بالآجل"!

    هذا التفسير أقرب للعقل بكثير من اتهام إيران باغتيال الطيارين على أساس "الإنتقام منهم". الإغتيال الإسرائيلي الأمريكي لهم، يعتمد على مصلحة تتحقق في المستقبل القريب والمخططات المباشرة، وليس الإنتقام من الماضي، وهو الأمر البعيد عن السياسة والذي لم يمارس في التاريخ من قبل الدول إلا نادراً، وغالباً من قبل إسرائيل وأميركا، وفي كل الأحوال ليس حين يكون بالضد من مصالحهما. وفي بقاء الطيارين القدامى مصلحة لإيران كما العراق، في صراعها مع الخندق الأمريكي الإسرائيلي وفرقه الإرهابية، حتى لو كان هؤلاء الضباط بعثيين ولا يحبون إيران.

    والتفسير بالإغتيالات الإسرائيلية أكثر منطقية أيضاً من نظرية أن يكون قتلة العلماء هم البعثيون الذين يعملون لحسابهم، كما يحاول أن يقنعنا عبد الخالق حسين الذي وصل في الماضي القريب، أن يكتب بصراحة مدافعاً عن الموساد ومبرئاً لها من تلك الجريمة وكأنه قد تعين محام لها أو أن له اتصال بها يتيح له أن يدعي براءتها. فالبعثيين لا مصلحة لهم بذلك ("كبعثيين")، والكثير من هؤلاء الضباط والعلماء كانوا بعثيين على كل حال. ولو عاد الحكم للبعثيين بطريقة ما، فسوف يخدم هؤلاء الضباط والعلماء النظام، وإن لم يعودوا، فلماذا القتل وتحمل المخاطرة؟ ليس للبعثيين اية مصلحة بقتل العلماء والضباط (إلا إن كانوا يعملون لحساب إسرائيل أو أميركا) على العكس من إسرائيل التي تعلن صراحة ضرورة بقاء العراق مدمراً من أجل أمنها، والولايات المتحدة التي تحرص على أن تبقي العراق تحت سلطتها المطلقة.

    ولا يتردد عبد الخالق اليوم وبعد كل الجرائم التي كشفت وبعد كل الإتفاقيات التي لم تنفذ، إلى دعوة الحكومة إلى فتح قواعد عسكرية أمريكية في البلاد من جديد. وقد بينت تصرفات أميركا التي كشفت أجندتها في العراق، أن لها المصلحة الكبرى اغتيال الطيارين العراقيين الذين تدربوا على طائرات روسية. فربما لو أن جميع الطيارين القدامى قد تم اغتيالهم لما استطاع العراق شراء الطائرات الروسية التي كسرت الحصار الأمريكي على التسلح العراقي، واستعملت لضرب فرقها الإرهابية من داعش وغيرها. لا شك أن أمثال عبد الخالق حسين، الذين وصلت وقاحتهم في الدفاع علناً حتى عن الموساد بما لا تدافع الموساد ذاتها به عن نفسها، ويدعي لأميركا ما لا تدعيه السفارة الأمريكية ذاتها، هو وأمثاله من اسباب الخلل الذي يعاني منه العراقيين في تحديد أعداءهم، ويجب أن ينظر إليهم من هذا المنظار كجزء من الكارثة وكجنود في خندق أعداء البلاد وبلا مجاملات....وربما نحتاج إلى الكتابة بشكل أكثر تفصيلاً عن أكاذيب هؤلاء مستقبلاً، وكيف أنها ليست مجرد آراء مختلة، بل تدل على نية مبيتة في إعماء الشعب العراقي عما حوله.

    إن الحالة المؤسفة والخيانة العميقة التي يجد فيها العراقي ساسته وقادة جيشه وإعلامييه، لا يفسرها فساد أو إغراء أو ضغط، إلا أن يكون الكثير منهم قد تم ابتزازه بما لا يستطيع مقاومته، ولا يستبعد، بل سيكون عجيباً أن لا تكون إسرائيل قد استعملت أفلام الإبتزاز الجنسي لتحقيق أغراضها مع هؤلاء. لكن هذا الحال المزري إن صح، فهو لا يدعو إلى اليأس، بل إلى الأمل بإيجاد حل، فأسوأ ما يكون هو أن لا نفهم ما يجري، فإن فهم السبب وبطلان العجب هو الخطوة الأولى نحو تلمس الطريق في الظلام، مهما كان هذا السبب صعباً ومشيناً. لكن علينا أولاً أن نخرج من حالة الدهشة والحيرة والإستسلام إلى حالة البحث عن حل، وأن يدرك كل مواطن أن الديمقراطية تعني "أن يحكم هو" ويتحمل نصيبه من واجب المتابعة والرقابة وبعض العمل، لا أن ينتظر أن يأتيه "نوري سعيد" أو "دكتاتور عادل" أو غيره من الخرافات، وإلا فلن يكون هناك طريق للإصلاح، بل لن يكون هناك طريق لوقف التدهور وستستمر المفاجآت المحزنة المخجلة، وسيكون كل يوم أسوأ من أمسه، وكل غد أسوأ من اليوم!

    (1) حنان الفتلاوي تنفجر بعد تكليف حيدر العبادي برئاسة الوزراء‎ https://www.youtube.com/watch?v=igd0v_ff_mQ

    (2) العبادي: قطر غيرت موقفها تجاه العراق وتركيا ترغب بالتعاون
    http://www.alalam.ir/news/1632037

    (3) ‫ردود أفعال المواطنين العراقيين عند اختيار د حيدر العبادي لتشكيل الحكومة الجديدة
    https://www.youtube.com/watch?v=9hzuPD5VKmk

    (4) ليفني تدعو إسرائيل للوقوف بشكل جاد لمواجهة (داعش)
    http://www.dostor.org/673510

    (5) آفي ديختر: قد حققنا في العراق أكثر مما خططنا وتوقعنا
    http://www.iawvw.com/news/world/324-2013-02-02-03-35-39

    (6) "عاهرة الموساد" تسيبي ليفني تزعم اتفاق مصر وإسرائيل على قتل شعب غزة http://www.albawabhnews.com/725461

    (7) الحكومة البريطانية تمنح ليفني حصانة دبلوماسية لمنع اعتقالها
    http://al-akhbar.com/node/206487

    روابط إضافية:

    صائب خليل - العراق - حكومة عتبة انتقالية للأجندة الأمريكية
    http://saieb.blogspot.nl/2014/09/blog-post.html#more

    منير الجلبي: بايدن واوكسن موبيل ينفذون انقلابهم النفطي الاسود ويباركون حكومة العبادي http://almothaqaf.com/index.php/qadaya3/884773.html

    قادة عرب في سرير ليفني!...
    http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-77240.htm

    وزير القضاء - السيرة الذاتية - وزيرة القضاء تسيبي ليفني
    http://old.justice.gov.il/MojArb/SaarHaMeshpatim/CVLivni.htm

    اعترافات مثيرة لحسناء الموساد تسيبي ليفني ..
    http://www.alankabout.com/various_files/studies_and_reports/34322.html

     

     

  • أريدك أن تكون ضدي ...

    لا اريدك ان تكون معي

    أريدك ان تكون ضدي..

    لا تتفق معي

    بل إختلف

    ضدي يعلـّمني الكثير

    في الاتفاق تسليم بنهاية سجال .

    في الاختلاف تواتر

    اذ أتفقنا على أن هذا صحيح ، فهذا خطأ

    الصحيح ليس كما هو عليه في اللحظة القادمة..

    القاعدة خطأ على مقربة أو مبعدة

    ألشواذ والاستثناء ضرورة.

    "أللاقاعدة هي القاعدة ألذهبية "

    هكذا دبّج ألعظيم برنارد شو.

    نيوتن خطأ بعد حين 

    آينشتاين خطأ بعد حين

    كُتبنا في العلم والتاريخ والمُسَلـّمات 

    خطأ بعد برهة

    قُصورنا ترابٌ بعد لأي ٍ

    افكارنا عرضة للتآكل ..

    " كل الذي فوق التراب ترابُ "

    هكذا قال الحكيم الشاعر ابو محّسد 

    لسنا نحن 

    نحن سوانا

    نحن العقلاء جهَلة

    نحن الابرياء مجرمون 

    الابيض أسود

    الرؤية الصحيحة انحراف

    علينا ان لا نركن لنا او علينا

    الحروب ما خّلدت فرسانها

    مارسْ الفرح في اللحظة وامض ِ

    والكلام العطيرقلـْهُ وغادرْ 

    العدم والرماد ينتظراننا

    كل الالوان سواد.

    نحن عدم

    نحن رماد

    نحن سواد

    نحن هواء وهراء .

    وتذكر :

    " الإرضة اختُ الخشب ،

    والصدأ إبن عمّ الحديد "

    هكذا وردَ  في ـ آلام فرتر ـ .

    لكنْ الصياد ديرسو اوزالا

    من أجل اي عابر سبيل

    قد يمر من هناك ،  

    وضعَ رغيفا وعلبة كبريت

    في قطعة قماش

    وعلـّقـَها في كهف على الطريق

    وغادرْ .

    وفي خوذة جندي

    غارقة ٍ

    في الوحل  ِ

    تتحفز حبّة ُ قمح ٍ

    كي  

    تورق !

    *******

    16/9/2014

     

     

  • كردستان ... جبهة  أمامية  لحروب  بالنيابة...؟؟

    في العاشر من شهر يونيو\حزيران الماضي حلت في العراق عبر الموصل مخلوقات غريبة الأشكال متعددة الأجناس والجنسيات واللغات بأزياء ورايات بلون ظلام القبور على متن مئات السيارات الحديثة الصنع المجهزة بكافة أصناف الأسلحة دخلوا وكأنهم في رحلة صيد للتسلية ومروا بسلام دون أن يتحداهم أحد من شرطة حدود الدول التي مروا بها أو خرجوا منها. تركيا لا تعرف عنها شيئا ، السعودية والأردن تحشدان قواتهما على حدودهما مع العراق تحسبا من تسللها الى داخل بلديهما ، بقية دول الخليج لا تعلم شيئا ، الولايات المتحدة تفاجأت ، ومع كل ذلك الترحال من مكان انطلاقها حتى دخولها بلادنا المستباحة لم ترصدها أقمارها التجسسية التي ترصد حتى حركة الوطاويط في ظلمة الليل الحالك وبما يدور في غرف نوم قادة دول العالم. وحتى بعد مرور أكثر من شهرين على دخولهم بلادنا لا يصرح الأمريكيون من أين جائوا ومن كان وراءهم أو تهدد بعقابهم ، فهل يريدون أن يقنعونا بأنهم هبطوا من السماء أو أنهم خرجوا من جوف الأرض..؟؟الكثير من التقارير الصحفية أشارت بأصابع الاتهام للولايات المتحدة بعد تدفق تلك المخلوقات المتوحشة الى بلادنا باعتبارها المشرف والمسئول الأول عن انشائها أما الدول الأخرى التي ترددت اسماءها بكونها وراءها كتركيا والسعودية وقطر فكانت تنفذ تعليمات السيد المشرف. وكان أهم القائلين بذلك السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة للرئيس اوباما خلال ولايته الأولى فقد اعترفت في مذكراتها التي صدرت بكتاب في وقت سابق من هذا العام ولا أحد شكك بتلك الادعاءات المهمة أو اصدر نفيا رسميا لرواية السيدة كلينتون.الناشط في حركة "ANTI WAR" والكاتب المتخصص في الشئون الأمريكية تيد سنايدر ألقى مزيدا من الضوء على حقيقة الدور الأمريكي أنقل للقارئ العزيز مقتطفات مهمة منه حيث كتب فيه قائلا: " أمريكا تفعل ما يعجبها ، فاذا لم يمنعوا داعش فيعني ذلك انهم لم يرغبوا بمعارضتها أو تحديها ، واذا لم يعارضوها فلأنهم يعتبرون تقدمها متفق مع سياستهم وأهدافهم في المنطقة. فما هي أهدافهم..؟؟ للاجابة على هذا السؤال لابد من القاء نظرة على المناطق التي تتقدم نحوها أو التي احتلتها. لقد احتلت جزءا من سوريا والعراق وتتحرك صوب لبنان وهي مناطق لايران فيها نفوذ. امتداد داعش لم يكن صدفة ، فاهدافها تتماشى مع أهداف الولايات المتحدة بالضبط. واذا ما خرجت داعش عن الخطة المرسومة وتحولت نحو الأردن فان اسرائيل واحتمال أمريكا ستساعد الأردن. امريكا لهذا لم توقف داعش عن تنفيذ خطتها ، لأنها في الواقع تنفذ خطة الولايات المتحدة بتغيير الأنظمة واضعاف ايران."وفي جزء آخر من مقاله الطويل يكتب تيد قائلا : " هذا النموذج جرى تطبيقه مع المجاهدين في أفغانستان وحاليا مع المجاهدين المتطرفين في سوريا ومع النازيين الجدد والنازيين في أوكرانيا. وهذا أمر لا يتنافى مع ما اعتادت الولايات المتحدة عليه خلال تاريخها فهي تعارض داعش في كردستان بينما تسكت عنها في بقية العراق ، وتدعمهم في سوريا. نجاحات داعش معناها اسقاط أو تغيير أنظمة غير موالية لها مثل ايران وحليفاتها. الأمر في الظاهر يبدو أن أمريكا غير مؤيدة لداعش ، لكنها بتحالفها مع السلطنة الوهابية في السعودية تبدو مؤيدة لداعش وهكذا مع الانظمة اللاديمقراطية والديكتاتورية فما دامت تخدم مصالحها فانها تحظى بدعمها وما أن تتغير المصالح تسحب تأييدها لها . وهذا يسري على داعش ، فأمريكا صمتت طوال الوقت عن داعش لأنها تخدم أهدافها في اضعاف الحلف العراقي الايراني. أما لماذا خرجت عن صمتها وهددت داعش فلأنها اقتربت من كردستان فهذه محسوبة على التحالف الأمريكي – الاسرائيلي".فما يضفي على الموضوع المزيد من الجد والهزل بنفس الوقت قيام الولايات المتحدة هذه الأيام بتأسيس حلف دولي يشارك فيه حوالي الأربعين دولة من اصدقاء وحلفاء الولايات المتحدة بما فيهم عشرة دول عربية للقيام بعمليات عسكرية ضد منظمةقاموا هم بتمويل نشاطاتها وتشجيع مواطنيها للسفر والمشاركة في نشاطاتها الارهابية في سوريا والعراق. والمضحك المبكي أنه رغم الأربعين دولة التي ستساهم فيها لا يوجد لتلك الدول أي قوات على الأرض تقاتل بها العدو الجبار داعش فما معنى حرب بدون عساكر على الأرض ، ليت كل الحروب القادمة على هذا الطراز. أليست هي حرب جديدة بكل المواصفات تشنها الولايات المتحدة ضد عدو وهمي اوجدته وتريدنا نحن دول المنطقة المشاركة فيها لتحقيق اهدافها التي لا نعرف عنها غير هدف مقاومة داعش.. ؟؟انه السياق نفسه الذي شنت وفقه الحرب على العراق عام 2003 لاحتلاله بدعوى اسلحة الدمار الشامل ، وعبر النموذج نفسه يحاول الرئيس الأمريكي اقناع شعبه وحلفائه بضرورة الاستعداد لقتال داعش التي تهددهم جميعا ، أنه أسلوب للاستخفاف بعقول الشعوب ، لكن ليس لأوباما وحلفائه الجرأة لقول الحقيقة والافصاح عن الغرض الحقيقي وراء الاستعداد لحرب عالمية مصغرة جديدة. فقد تستغرق ثلاث سنوات أو اكثر كما قال الرئيس أوباما ما يعني أنها جاءت للعراق لتبقى وليس لقيادة حرب خاطفة على غرار الحرب لتحرير الكويت. فهذه المرة وقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس فبدلا من ارسالها جنودها والتضحية بحياتهم أتت بجيوش من صنعها توجه هي نشاطاتها لقتلنا على الأرض بينما تقوم طائراتها بالقتل من فوق ، هذا ما تفتق عنه عقل صناع السياسة الأمريكيون الذي كان وراء انشاء منظمة القاعدة الارهابية في ثمانينيات القرن الماضي التي هي داعش اليوم.الهدف غير المعلن هو في التفاصيل التي لم تعلن عنها ، وهذا ما يثير مخاوفنا ، فنحن دولة صغيرة تداولتها دول كبرى وفرضت عليها سياساتها التي تخدم مصالحها اولا فاستنزفوا جزء كبيرا من ثرواتنا ولم يتيحوا لنا حق اختيار طريقنا أو حكومات نحن نختارها ، وما أن نختارها بارادتنا الحرة حتى نواجه العزل والتآمر وتشجيع النزاعات بين مكونات شعبنا ولا يتوقفوا حتى يعيدونا الى العصر الحجري. وها نحن في مواجهة عدو خرج ألينا من حيث لا ندري بحجج ومشاريع سياسية – دينية ما قبل الحضارات تتعارض مع عصرنا الذي نحن فيه وان لم نقبل تشهر السيوف لقطع رؤوسنا.المشروع الداعشي يثير فينا الشكوك والحذر من اي خطوة نخطوها وأي نصيحة نسمعها فذاكرتنا تحمل الكثير من الألم ومشاعرنا جبلت على الحزن والحسرة وانعدام الأمن والثقة وضياع الآمال. ولهذا ننظر بخشية لتوجهات حلفائنا الأمريكيين وخططهم التي يضعونها التي ظاهرها الحرب على داعش أما باطنها فغير مفهوم ولا واضح ، ولا ندري ان كانت هناك نوايا تدفعنا للهاوية. هل يسعون لفرض مشروع بايدن لتقسيم بلادنا التي لا نحبها الا موحدة بشمالها وجنوبها وشرقها وغربها ، ولانرضاها إلا بالعيش معا عربا وكردا وتركمانا ، مسيحيين ومسلمين وصابئة وأيزيديين وشبك ، سنة وشيعة. ولا نحترمها الا بوجود الجوامع والكنائس ودور العبادة الأخرى جنبا الى جنب يؤمها من يرغب بسلام ومحبة وإخاء وحرية. هكذا كنا وهكذا نريد للعراق أن يكون ، ولا نشعر بوجودنا بأننا أحياء إلا في هكذا عراق وإلا فلا نعتبرها حياة.ما نخشاه أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل العراق وبخاصة كردستان الى أوكرانيا ثانية كقاعدة أمامية للتحالف الغربي وكأداة للحرب الباردة الجديدة ضد روسيا وهذا لا يخدم استقرار بلادنا والمنطقة. وما يثير شكوكنا ما يجري حاليا على ارض كردستان من قواعد عسكرية ومراكز تجسس غربية أمريكية واسرائيلية والعمل بكثافة غير معهودة لتحويل كردستان الى ترسانة للاسلحة. وقد باشرت دول الحلف الأطلسي بشحن مختلف الأسلحة الخفيفة والثقيلة وبكميات كبيرة اليها بحجة تمكينها من محاربة داعش. ويجري على قدم وساق تدريب المزيد من الشباب الكردي على استخدام الاسلحة الحديثة يشارك في تدريبهم أمريكيون واسرائيليون وقادة عسكريون سابقون من النظام الصدامي السابق. ومع التمهيد لبناء قواعد عسكرية في كردستان ما يؤشر الى ان هناك حروبا وليست حربا واحدة على داعش. ويطرح هنا تساؤل مشروع : أليس على جدول حلفائنا الأمريكيين هدف تغيير الأنظمة غير المرغوب فيها مثل سوريا وايران..؟؟

    فما يجعلنا نثير ذلك السؤال هو وجود جماعة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة الموجودة في بلادنا على مقربة من الحدود الايرانية تحت حمايتنا لكن باشراف الأمريكيين. ان داعش قد تكون غطاء بنفس الوقت الذي يشير دخولها العراق ونجاحها في فرض هيمنتها على حوالي 30% من مساحة العراق اختبارا ممتازا لما يمكن القيام به من قبل مجاهدي خلق وداعش لاقتحام الحدود الايرانية للاستيلاء على الحكم بتعاون مسبق مع متآمرين من داخل القوات المسلحة الايرانية. ان مثل هذه الخطة فيما لو بوشر بتنفيذها فعلا وفي حالة يتم اكتشافها فأن تبعاتها ستكون خارج التصور وستجعل من كردستان هدفا سهلا ومشروعا للقوات الايرانية الارضية والجويةلن تتعافى منه أبدا.الحجة بأن رفع جاهزية الشباب الكردي لمحاربة داعش هي خدعة سياسية يرتكب البرزاني خطأ كبيرا إن لم يكشفها لشعبه والأسوء من ذلك أن يتكتم بها عليه حلفائه الأمريكيون والاسرائيليون. التبرع بالسلاح بتلك الكميات وراءها ما وراءها ، فلا اسرائيل ولا أمريكا ولا بريطانيا ولا فرنسا جمعيات خيرية يتبرعون لوجه الله ، انهم يبحثون عن وجود في كردستان ووقودا لحروبهم القادمة في المنطقة. وما الحرب على داعش الا واحدة من لعب الأطفال مقارنة بالحروب الأخرى غير المعلنة ،ويخطأ سيادته إن اعتقد انه يحقق الانتصار فيها مع كل تلك الترسانة من السلاح ، فلو كان للأمريكيين لوحدهم القدرة على هزيمة القاعدة لما استمروا يقاتلونها في افغانستان للسنة الرابعة عشرة وهم من اوجدها ولم يحققوا صفرا في المئة من هدفهم بينما ما يزالون يقدمون التضحيات هناك. ان القوة العسكرية المنوي تشكيلها من دول صديقة للولايات المتحدة لمحاربة داعش هي أول الغيث فهي على غرار القوة التي شكلتها في خمسينيات القرن الماضي للحرب ضد كوريا الشمالية. تلك الحرب التي دخلتها تركيا مفتونة بشعار الحرب ضد الشيوعية تحت راية الحلف الأطلسي ففقدت معظم قواتها ولم يعد منها الى بلادهم الا عددا ضئيلا من حسني الحظ ، ولهذا السبب تتردد تركيا اليوم من المشاركة في الحرب الحالية ، فالواضح أن دور الأمريكيين في حروب أوباما الحالية والقادمة هي الاشراف على موت الآخرين فقط.وكجزء من الثمن المطلوب من البرزاني تقديمه مقابل اعتراف الغرب واسرائيل باستقلال كردستان هو جعلها قاعدة أمامية لتلك الحروب يكون شبابها وقودا سهلا ، ولو كانوا يؤمنون حقا بحق تقرير مصير الشعوب لأعترفوا بحق شعب فلسطين بتقرير مصيره على وطنه المحتل من قبل اسرائيل منذ عشرات السنين وهو دليل لا يحتاج الى اثبات. انهم ياسيادة الرئيس يحولون كردستان الى أوكرانيا ثانية في الشرق الأوسط.فالولايات المتحدة غير مستعدة لفقد قطرة دم واحدة في الصراع مع روسيا وهذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في حرب الأوكرانيين لبعضهم بعضا بينما يكتفي التحالف الأطلسي باصدار بيانات التحريض على مزيد من سفك الدماء. انها حرب بالنيابة وهذا ما يخطط لشعبنا الكردي وشعوب المنطقة ، اليوم داعش وغدا سوريا وبعدها ضد أخوتهم العراقيين في بقية العراق ، وربما خلالها أو بعدها ضد ايران في قادم الأيام. فالهدف الامريكي من كل ذلك هو روسيا ولكن قبل ذلك يجب قلب ميزان القوى في ايران لصالح التحالف الغربي.رسالة الولايات المتحدة الى داعش كما عبر عنها الكاتب والصحفي الأمريكي مايك ويتني هي على الوجه التالي : " يمكنكم قتل أي عدد من العرب والمسيحيين كما تشاؤون ، لكن اذا وضعتم اصبعكم على النفط فنحن سنحولكم الى رماد ". ويتساءل : أليست هذه هي الرسالة ..؟؟ ويجيب : بالطبع هي." لكن الكاتب ويتني الخبير بشئون رئيسه أوباما لم يشر الى مستقبل نفط الوسط والجنوب العراقي الذي لم تهيمن عليه أوكسون موبايل وأخواتها بشكل مطلق كما في كردستان. وهو أمر غير مقبول من قبل الولايات المتحدة التي ضحت بحوالي خمسة آلاف من قواتها في احتلالها للعراق من اجل الهيمنة على احتياطياته النفطية بينما آلت أكثر تلك الاحتياطيات للصينيين والروس والبرتغاليين والفرنسيين.وهذا ما لم يعرفه المالكي ويأخذه في الاعتبار قبل أن يتعاقد وزير نفطه مع تلك الشركات النفطية. ساذج ومسكين المالكي لم يعرف حتى اليوم الأخير من وجوده في منصبه أنه على قائمة الموظفين المؤقتين لدى الأمريكيين ولم يتعلم أبدا من تجارب التاريخ ان ليس للامبرياليين أصدقاء أو حلفاء دائمين وان العلاقة معهم تعتمد على مقولة شعبية عراقية حكيمة " سلمِ - بلمِ " وليته هو من أخذ بها وليس الأمريكيين. لقد تجاوز المالكي الخطوط الحمراء الأمريكية دون أن يدري ، فعقده صفقة سلاح مع الروس باربعة مليارات دولار كانت بحجم خطيئة آدم ولذا وجب عليه أن يدفع الثمن ويقبل بأي منصب في حكومة العبادي ويجلس جنبا الى جنب مع أعدائه السياسيين السابقين ... وإلا.. إإ

  • الى العريف المخضرم السيد شوكت خزندار

    اثناء الخدمة العسكرية كجندي مكلف في الجيش العراقي واثناء الحرب العراقية الايرانية كان معنا احد الاشخاص برتبة عريف مطوع ( عريف محمد ) من محافظة ديالى وهو متمرد ومشاكس دائما وقد استغربت كبر سنه وخدمته الطويلة في الجيش ومع هذا لم يصل الا الى رتبة عريف في حين ان اقرانه في رتبة نائب ضابط من الدرجة الاولى او الثانية والفرق كبير بين الرتبتين ومن خدم في الجيش العراقي يعرف الفرق، وعند السؤال عن السبب في تخلف رتبة هذا العريف ظهر انه كثير المخالفات ولديه عدد من الهروبات ولفترات قصيرة ادت الى ايقاف ترفيعه بشكل شبه مستمر واحالته الى المحاكم العسكرية وسجنه وبقاءه برتبة العريف، وهو من المدمنين على شرب الشاي .
    في احد الايام وبسبب غيابه عدة ايام بعد انتهاء اجازته الدورية وتشاجره مع رئيس عرفاء الوحدة حول واجب الخفارة قائلا له اني اقدم منك في الجيش، قرر آمر الوحدة معاقبته بإرساله الى مفرزة متقدمة وقريبة من الخطوط الامامية والتي تتعرض الى القصف من قبل القطعات المعادية، التحق عريف محمد بالمفرزة على مضض بعد تمرد خفيف ولكن اصدقاءه نصحوه بالالتحاق والا فان الامر سيلقيه في السجن ولفترة طويلة لكونه غاضب منه جدا، ولكون المفرزة في موقع متقدم وعرضة للقصف كما قلت، فان الاتصال يكون عبر جهاز اللاسلكي وبشفرة خاصة تحتوي على رموز ومسميات للأشياء المهمة والتي لا يجوز ذكرها بالاسم الصريح حتى لا تكشف المعلومات للعدو مثل ( اسماء الاسلحة ، العتاد ، اسماء الضباط ، شهيد ، جريح ، سيارة الاسعاف ، ... وغيرها ) مسجلة في ورقة قرب الجهاز لاستخدامها عند الحاجة .
    بعد التحاق عريف محمد بالمفرزة نفذ الشاي لديهم بسبب وجود محمد معهم وشربه المتواصل للشاي، فسأل محمد عن موعد وصول المؤونة ومن ضمنها الشاي فقيل له : انها ستصل بعد ثلاثة ايام ، لم يتمكن محمد من الصمود أكثر من 24 ساعة بدون الشاي، لذلك توجه الى جهاز اللاسلكي للاتصال بمقر الوحدة وطلب الشاي، حاول زملاءه بمنعه عن ذلك لأنه لا يجوز استخدام الجهاز الا للضرورة القصوى وباستخدام الشفرة وبكلام متقطع وقصير وعدم الاستمرار في الارسال حتى لا يتمكن العدو من كشف المواقع، ولكن محمد لم يستجب للتوجيهات قائلا لهم : ( وهل هنالك ما هو اهم من الشاي ، سوف اطلبه وبالشفرة وكما تريدون ) فتناول حاكية الجهاز وقبل ان يبدأ بالإرسال تناول ورقة الشفرة باحثا عن رمز كلمة الشاي باعتباره من المستلزمات الخطرة والمهمة والتي لا يجوز ذكره بالاسم الصريح، ولكنه لم يجد الرمز المطلوب فتناول الحاكية وبدأ بالإرسال المتواصل قائلا ( الى 333 من 111 : اننا بحاجة ماسة الى الشيء الذي يوضع في القوري مع الماء وبعدها يوضع على النار ويشرب مع السكر بعد ان يخدر ... أجب ) ولم يتلقى محمد اي رد من مقر الوحدة سوى الضحك المستمر من زملاءه على تصرفه الاهوج هذا. ولكن بعد ربع ساعة  استلم الجهاز برقية من جهة مجهولة تنص على : ( من شاي شاي شاي الى 111 : سوف يصلكم المطلوب بعد دقائق ) واستغرب الجميع من تلك البرقية ولكن فهموا المقصود منها جيدا بعد قليل حيث تعرضت المفرزة الى قصف مدفعي  شديد ومركز من القطعات المعادية. وبعد انتهاء القصف وفي المواقع الشقية عاود زملاء عريف محمد للضحك عليه وهو في حالة هلع وخوف شديد قائلين له هذا الشاي الذي طلبته جاءك ساخنا .
    تذكرت هذا الموقف وانا أقرأ تعليق للسيد شوكت خزندار على صفحته في الفيس بوك موجه للكاتب عدنان حسين حول مقال للكاتب بعنوان (ما مشكلتكم مع الكورد ) واعلق على الموضوع بقدر اشارة السيد خزندار لي في تعليقه هذا والتي كانت على طريقة عريف محمد فهو لم يذكر اسمي، قائلا أحدهم ولكنه ( وضعني في القوري مع الماء ومن ثم على النار محاولا شربي مع السكر ) واليكم ما كتب خزندار بخصوص تعليق لي على صفحتي حول الكاتب عدنان حسين : (أحدهم قال : ( عدنان حسين كوردي أكثر من الاكراد)!! وبهذا القول، يريد الانتقام من والده الراحل عندما تعرض إلى أبشع تصرف اللاخلاقي على يد السكرتير الفلتة عزيز محمد ورهطه في المقدمة المدعو(حميد مجيد موسى وقيادته المفبركة) ومن الذين يشاركونه في تصرفهم اللاخلاقي تجاه الراحل حسين سلطان ..!! ) ومن ثم اردف خزندار في حديثه الكثير من الاساءة لكل من له موقف مخالف للقادة الاكراد واصفا اياهم بمتقمصي الشيوعية والماركسية وفي مكان اخر يصفهم بالاغبياء متهما الجميع بالشوفينية والحقد الاعمى على الاكراد ويخلط بين التاريخ القديم والحديث وصولا الى سيبوي وصلاح الدين في محاولة بائسة لتبرير ما يكتب، وعلى كل حال فتلك الخلطات الكوكتيلية ليست بالغريبة عن السيد خزندار، وبعد كل هذا يقول : (بامكاني ان استخدم كلام قاسي وقاسي جدا مع ذلك امتنع من استخدام تلك الكلمات النابية تجاه هؤلاء الاغبياء)  ولكن كيف تناسى السيد خزندار ان عدنان حسين هو ربيب وصنيعة خصمه اللدود ابو نبيل ام الخيمة الشوفينية تبيح كل شيء. ان شوفينية السيد خزندار وتطرفه واضحة بشكل صارخ وهو يغرد خارج السرب كثيرا ويتحدث عن كردستان جنوبية وشمالية ويرسم خرائط لجمهورية كردستان الاشتراكية الشعبية العظمى ويعدل فيها كما يشاء ويدافع باستماتة عن قادة الكرد وهو يعرف تاريخهم بشكل جيد بقضه وقضيضه اكثر مما نعرف نحن ( العرب الشوفينيين ) يشير خزندار في تعليقة
     على مقال عدنان الى ان خبرته السياسية والفكرية وصلت الى 65 عاما والحياة خبر وتجارب وعليه نقول للسيد خزندار ما قيمة تلك الـ 65 سنه وانت لا تزال عريفا في عالم السياسة بسبب شوفينيتك وتعصبك الاعمى ككردي حالك حال عريف محمد الذي كادت خدمته وخبرته ان تقتله. اكتفي بهذا القدر في تعليقي على تجاوزات السيد خزندار وقبل ان اختم اذكره بموقف لمواطن عراقي بسيط لا يعرف ولا يفهم معنى الشوفينية. في مدينة الثورة في بغداد هنالك قطاع كامل يطلق عليه حي الاكراد لكون كل ( أو غالبية ) سكانه من الاكراد ممن هجرهم المقبور صدام من مدنهم وقراهم الحدودية فتمكنوا من التجمع في هذا الحي مع مرور الايام، على اثر احدث 10 حزيران 2014 وسقوط الموصل بيد الارهابيين الاوغاد ودخول قوات البيشمركة لمدينة كركوك واحتلالها وتغير لهجة القادة الكرد حول تجاوز المادة 140 من الدستور بعد تحققها وعراق اليوم يختلف عن عراق ما قبل 10 حزيران والصراخ عن حق الانفصال وحدود جديدة لاقليم او دولة كردستان، صرح هذا المواطن العراقي البسيط لجيرانه في حي الاكراد قائلا : ان القادة الكرد لو تركوا على هواهم لتحديد حدودهم سوف يطالبون بضم حيكم هذا الى الاقليم وضحك الجميع عربا واكرادا على هذا القول. كذلك انت يا سيد خزندار فلو تركناك على هواك سوف تطالب بضم كل العراق الى اقليم كردستان لان جميع العرب اكرادا وجدهم القائد الكردي صلاح الدين الايوبي .
    بغداد / 19 ـ 9 ـ 2014

  • احْذَروا أيها العرب

    من يعتقد أنّ مهمة التنظيمات الصهيو- وهّابية الإرهابية المتأسلمة ، المتوالدة كالفِطْر ، وآخرها ما يُدْعَى " داعش " ، تقتصر على مواجهة محور المقاومة والممانعة ، يكون مخطئا ً ... ومن يعتقد أنّ هذه المهمّة تقتصر على التمهيد ل " اسرائيل " وتبرير نهجها في تكريس " الدولة اليهودية " يكون مخطئا ً. تلك هي ، فقط ، بعض المهمّات المُناطة بالتيارات الإرهابية المتأسلمة الوهابية والإخونجية ، وليست كلّها .
    - لقد وصل المحور الصهيو - الأمريكي ، إلى المرحلة قبل الأخيرة ، في صراعه الوجودي مع شعوب العالم الأخرى ، وطلبَ من أتباعه الأوربيين ، ومن أذنابه الأعراب الغازيين والنفطيين وباقي المحميّات الوظيفية والأميريّة والملوكية والمملوكية " الجمهورية الجديدة " ، أن يستنفروا كلّ طاقاتهم وقدراتهم ، للقيام بالوظائف المناطة بهم ، إثْر اضطرار هذا المحور لِسحب معظم جيوشه من المنطقة .
    - لأنّ المخطط الصهيو- أميركي ، المطلوب تنفيذه ، خلال العقد القادم ، هو :
    ( 1 ) ترحيل المسيحيين المشرقيين ، أصحاب الأرض الأصليين ، من جميع الأراضي العربية ، إلى أوربا وأستراليا وكندا .. ليس حفاظاً عليهم ولا حُباً بهم ، بل لتفريغ المنطقة منهم وإزالة الخميرة التاريخية التي كان لها قَصَبُ السَّبْق الحضاري في هذه الديار .
    ( 2 ) إِفْلاتُ الوحوش الإرهابية المتأسلمة ، بعد تسليحها وتمويلها بِ " فَضْلِ !!! " بيوتات المال الأعرابية النفطية والغازية ، وإطلاقها في جَنَبَات المنطقة ، للسيطرة عليها .
    ( 3 ) شيطنة الإسلام بكامله ، وخاصّة أمّة الإسلام التي هي " الإسلام السّنّي " - بِحُكـْمِ كونه الغالبية العظمى للمسلمين في العالم - عَبْرَ اصطناع واختلاق وفبركة وتوليد واستنساخ مئات التنظيمات الإرهابية الدموية ، من بين صفوفه حصراً ، بحيث تجري المساواة بينه وبين الإرهاب والقتل والذبح والاغتصاب والتدمير والخراب والسلب والنهب والتهجير والإقصاء والإلغاء .
    ( 4 ) اشتعال الصراعات والحروب بين هذه التنظيمات الإرهابية المتأسلمة ، من خلال التّزاحم على المكاسب والمغانم والنفوذ بين مئات " الإمارات " المتأسلمة ، واستمرار وتصاعد هذه الصراعات والحروب ، خلال العقد القادم ، في أرجاء المنطقة بكاملها . بحيث يبدأ الرأي العام العالمي بالجّعير والنّعير والزّعيق والنّعيق والاحتجاج المزيّف بمواجهة أنهار الدماء لملايين الضحايا ، التي تسيل بين هؤلاء المسلمين " المتوحشين " الذين يُشكّلون خطراً ، ليس فقط على " الديمقراطية الوحيدة في هذه المنطقة " اسرائيل " !!!! " بل على الحضارة العالمية بكاملها ، والمناداة بِضرورة العمل على مَنْع ِامتدادِ هذا الخطر الرّهيب إلى مراكز الحضارة الغربية .
    ( 5 ) وهنا يصبح المناخ الدولي مُهَيَّأ ً ، لدخول " اسرائيل " المباشر على الخط ، كَ" مُنْقِذ !!! " ليس لنفسها فقط ، بل للحضارة العالمية بكاملها ، من هذا الوحش " الإسلامي !!! " الذي يريد العودة بالبشرية إلى العصور الحجرية . وتصبح الطريق مُعَبّدة ً ، لإطلاق عشرات القنابل الذرية الإسرائيلية ، على الحواضر العربية التاريخية ، في دمشق وبغداد والقاهرة وبيروت ومكّة والمدينة ، بحيث تتحوّل إلى " هيروشيما " و " ناغازاكي " جديدة ، وبحيث يجري تدمير الحضارة العربية والإسلامية ، تحت عنوان " منع هؤلاء الهمج المسلمين " من تدمير الحضارة العالمية " .
    ( 6 ) وبالتأكيد ، سوف ينبري ، الكثيرون ، الآن ، لاستنكار واستهجان ما ورد في هذا المقال التحذيري ، وسوف يقولون إنه أوهامٌ وخيالاتٌ مريضة ، يستحيل تحقيقها . ونحن نقول بأنّ الاستخفاف بما ورد هنا ، هو غَفْلة ٌ وجهلٌ وهروبٌ من مواجهة الأخطار القادمة والداهمة ، لا بل هو مساهمة غير مباشرة في تمهيد الطريق لهذا المخطط الجهنمي وفي إفساح المجال لتحقيقه . وهنا نوجّه سؤالا ً لهؤلاء المستهجِنين والمستنكِرين : ألم يكن القول في الماضي ، بأنّ أرض فلسطين ، سوف تتحوّل إلى " اسرائيل " ، وبأنّ القدس سوف تتهوّد ، وبانّ سيناء والجولان والضفة الغربية وغزة والقدس ، سوف تحتلّها " اسرائيل " ، وبأنّ ستة ملايين يهودي ، سوف يتحكّمون بمّقَدّرات مئات الملايين من العرب ... ألم تكن مِثْلُ هذه الأقوال ، في نظر الأغلبية الساحقة ، للعرب ، محض ُهراء وخيال مريض ؟! ... ومع ذلك ، فَقَدْ صارت بعدئذٍ ، واقعاً حقيقياً جاثماً فوق رؤوسنا .
    ( 7 ) وهذا لا يعني بِأنّهم سوف يتمكّنون من تنفيذ جميع مخططاتهم ... ولكنّ الشرط الأساسي ، أو الشَّرْطَيْن الأساسييَّن ، الآن ، لإجهاض هذا المخطط الجهنّمي ، في مواجهة العروبة والإسلام ، هما :
    - استكمال ما قامت به سورية الأسد ، التي عرقلت - وبتضحياتٍ أسطورية قَدّمها الشعب السوري ، من أرواحِ أبنائه ومقدَّراته - تنفيذَ ذلك المخطط ، والقيام باستنفار جميع الطاقات العربية الشريفة والمخلصة ، لاستكمال هزيمة هذا المخطط ، مرّة ً واحدة وإلى الأبد .
    - قيام أمّة الإسلام - المتجسّدة بِ" الإسلام السُّنّي - بِوضْعِ حَدٍ قاطع ، لِمُصادرةِ الوهابية السعودية التلمودية ، والإخونجية البريطانية المتأسلمة ، للإسلام " السُّنّي " وادّعاء النُّطق باسْمه ، وتمثيلهِ .
    وإذا لم يقم العرب والمسلمون بذلك ، عاجلا ً لا آجلا ً ، فالمصيرُ المحتوم ، قادمٌ قادمٌ قادم

  • حرب على الارهاب

    (الغبيّ وحده أو المأجور : فقط مَنْ يمكن أن يصدّقوا بأنّ الإدارة الأمريكية ، يمكن لها أن تحارب الإرهاب المتأسلم الذي أوجدته . وأمّا " ضبضبة " الإرهاب ، بحيث يعود لتنفيذ المهمّة التي أوجده الاستعماريون الجدد وأذنابهم ، من أجلها ، فهذا لا يعني محاربة الإرهاب ، بل يعني إعادة حَقْنه بالمقوّيات والمنشّطات وكذلك وضْع الحواجز والحدود اللازمة لتنفيذ المهمة أو المهام ، التي وُجِدَ الإرهاب المتأسلم ، لتنفيذها . )

    -  د . بهجت سليمان -

  • خليفة الاسلام والمسلمين أبو بكر البغدادي في تركيا

    من المقرر أن يسافر ابو بكر البغدادي الى تركيا في الايام المقبلة لحضور اجتماع امني  ماهو موقف المجتمع الدولي هل ستبقى تركيا تبتز المنطقة وأكدت مصادر خبرية مطلعة أن أبا بكر البغدادي بعد خروجه من الموصل توقف في محافظة الانبار و من هناك انتقل الى الرقة في سوريا و يقال أنه من المقرر أن يسافر الى تركيا في الايام المقبلة .وتقول الاخبار إن زيارة البغدادي لتركيا تأتي بهدف المشاركة في الاجتماع الذي سيعقد بحضور مسؤولين أمنيين من دول المنطقة في مدينة هاتاي التركية

  • بوكو حرام وداعش وبقية العيال الأمريكي

    فشل الجيل الأول من المحافظين الجدد في الاستمرار في ابتزاز العالم تحت يافطة "الحرب على الإرهاب"، وتحقيق خرافة القرن ا...لأمريكي عن طريق الغزو الغاشم الذي كان يبرر بالأكاذيب، كما حصل في أفغانستان والعراق، وأصيبوا بالفشل الذريع، وجروا العالم الرأسمالي معهم إلى أزمة مالية عاصفة كادت تطيح بالعديد من بلدان ذلك المعسكر. وجاء الآن دور الجيل الثاني من نفس الماركة الأمريكية المسجلة لتحقيق نفس الغاية، لكن بتجربة ستراتيجية جديدة تقوم على جعل دول العالم تطلب طوعا وبنفسها غزوا أمريكيا ناعما لـ "مكافحة الإرهاب"، مشروع مفضوح لتفريخ الإرهابيين وابتزاز العالم بهم، كان نتاجه البكر القاعدة، ثم طالبان في أفغانستان، ثم بوكو حرام في نيجيريا، وداعش وأخواتها بين العراق وسورية، والإنتاج متواصل، وسيولد "من هذا المال حمل جمال"، عيال لا أب لهم إلا أمريكا، ولا أم لهم غير المصالح الامبريالية الأمريكية.
    داعش قوة عظمى تتطلب مواجهتها تحالفا دوليا – وبطبيعة الحال تحت زعامة أمريكا. هذا ما يريدنا الإعلام الأمريكي وإعلام بلدان الناتو عامة أن نصدق به. وداعش حركة مفرطة في الوحشية بحيث يترتب علينا أن نفعل كل شيء لمواجهتها، مثلا نطلب ضربات جوية أمريكية، وإرسال خبراء أمريكيين وفرنسيين، وإقامة قواعد لطائرات الدرون (بلا طيار) – يعني أن نطلب من الأب أن يربي ابنه ببضع صفعات جوية، ونتناسى على الفور صراعاتنا مع الأب نفسه، وننسى الجرائم التي ارتكبها بحقنا، ونتفرغ سوية معه لمواجهة ذريته، داعش. لكن أهم ما يريدنا هذا الإعلام الأمريكي/الناتوي أن نفعله هو أن لا نسأل، مثلا: كيف ظهرت داعش، وصارت بين ليلة وضحاها قوة عظمى، أو في الحقيقة قطبا في السياسة العالمية بحيث يتوجب على كل بلدان العالم الآن أن تتحد، وتكون قطبا مضادا له؟ وأن لا نسأل: كيف ظهرت داعش في منطقة من العالم تراقبها الأقمار الاصطناعية الأمريكية، والبريطانية، والفرنسية، والإسرائيلية ليل نهار لتسهيل عمل المنظمات الإرهابية على أرض سورية، منطقة تعج بالعملاء والمخبرين في شمال بلد يتحكم الأمريكيون بمقدراته وأجوائه، وأرضه من إحدى عشرة سنة، وقرب قاعدة أمريكية في جبال كردستان العراق، وعلى مرمى حجر من قواعد حلف الأطلسي؟ وأن لا نسأل لماذا لم تظهر داعش هذه كمجموعة من عشرين أو ثلاثين مسلحا يجوبون الجبال والوديان، ويتموضعون في تورابورا في شمال العراق، وإنما ظهرت كجيش عرمرم، يحتل المدن، ويهجر ملايين الناس من قراهم ومناطق عيشهم، ويسبي آلاف النساء، ويقطع حتى رؤوس الأمريكيين!! و .. وماذا أيضا؟
    في البداية بدا الأمر وكأن الأمريكيين يريدون معاقبة نوري المالكي الذي صار يتململ في علاقته بالاحتلال، ويحاول أن يبرز كوجه وطني لا يتجاوب مع كل طلبات الأمريكيين، وذلك بتوجيه أحد العيال المشاكسين ليحرجه في الموصل. وفي البداية بدا الأمر أيضا وكأن تحقيق هدف إسرائيل في ولادة توأم لها في شمال العراق صار يتطلب تجديد الصراعات الطائفية الدموية في العراق، فبدأ ابن شقي لأمريكا يثير الفتن، وفي البداية بدا الأمر كذلك وكأن الأمريكيين بعد فشلهم الذريع في سورية يريدون العودة إليها ليس عن طريق الاعتراف بالهزيمة، بل عن طريق معاقبة أحد عيالهم العاقين، داعش، عسى أن يكون ذلك مقدمة لفتح حوار مع الدولة السورية، والعودة كأصدقاء.
    لكنْ، سرعان ما تبين أن داعش ليست مجرد حركة طائفية عادية لها أهداف محدودة، بل إنها حركة "فتح مبين" تعتنق التخلف في أبشع صوره، وتمتهن الجريمة في أقسى وسائلها، وتصب جام غضبها على الجميع، مسلمين، ومسيحيين ويزيديين، وغيرهم، وعلى كل من يرفض همجيتها، فتبين للناس الخيط الأبيض من الخيط الأسود في أمرها، فداعش ليست مشروعا صغيرا في نطاق طائفي، بل هي مشروع ماكنة إرهابية ضخمة يراد تشغيلها على مستوى العالم، تركيبتها الأساسية أمريكية بامتياز، مع وجود قطع غيار بريطانية، وفرنسية، وكندية، وأسترالية، وإسرائيلية، وسعودية فيها. وأمريكا تنوي فتح فروع لمشروع داعش العالمي في كل مكان. لا ينبغي لنا أن نفصل أبدا بين ظهور حركات "إسلامية" إرهابية في أي مكان وبين مشروع داعش الأمريكي العالمي. إنه نفس الأب يرسل أبناءه المعتوهين حيثما تقتضي مصالحه، فيتخذ الابن لنفسه اسما يناسب المكان الذي يعمل فيه، ويعيث في الأرض فسادا. في نيجيريا، مثلا، اسم الولد الشقي هو "بوكو حرام"، وهو الأخ الشقيق لداعش من نفس الأب الأمريكي ونفس الأم، المصالح الأمريكية، تماما كما كان الابن الشقي في أفغانستان يسمي نفسه "طالبان"، أو "القاعدة".
    قررنا أن نسأل، وليسأل العالم كله معنا: ألم يتم تصنيع داعش وغيرها من الحركات والمنظمات الإرهابية على أيدي الأمريكيين من أجل إسقاط النظام الشرعي في سورية؟ فلماذا انحرفت الآن من إسقاط النظام في سورية إلى استهداف العالم كله؟ ولدينا أسئلة كثيرة إلى الجيل الثاني من إرهابيي المحافظين الجدد حول نشاطات مشروع داعش في كل مكان، منها مثلا: أن الطائرات الأمريكية (بطيارين) استطاعت عام 1967 مسح غابات بوليفيا في أمريكا اللاتينية، وحددت مكان الثائر الكوبي تشي جيفارا ومجموعة من ستة أو سبعة مقاتلين معه في تلك الغابات الكثيفة، واستطاعت الاستخبارات الأمريكية تصفيتهم، فكيف لا تستطيع الطائرات الأمريكية الآن في عام 2014 (أي بعد نصف قرن من التطور التكنولوجي في مجال الطيران والتجسس) تحديد مكان 300 فتاة خطفتهن عصابات بوكو حرام في نيجيريا؟ هل حركة بوكو حرام وراءها عقول ستراتيجية تناطح الخبرة والتكنولوجيا الأمريكية، أم أن من وراءها هي عقول أمريكية؟ حركة بوكو حرام تقوم بمهمة الابن المطيع الذي يعطي أباه، أمريكا، الفرصة للدخول إلى نيجيريا بناء على طلب من حكومتها لإقامة قواعد للطائرات الأمريكية بدون طيارين، وإرسال سيل من الخبراء، والاختصاصيين العسكريين، ومعداتهم التكنولوجية إلى هناك – لماذا؟ لإزالة النفوذ الصيني وضرب المصالح الصينية هناك. ألا تقوم داعش بنفس الدور في خلق مبررات لاستدعاء غزو أمريكي مرغوب فيه إلى شمال العراق؟
    أليس هناك قاسم مشترك بين خطف بوكو حرام لثلاثمئة فتاة والتهديد ببيعهن (لم تعثر الاستخبارات الأمريكية وطائراتها على أثر لهن حتى بعد أن أسست أمريكا وحليفاتها لوجود دائم في نيجيريا)، وبين بيع داعش للفتيات اليزيديات؟ أليس العقل المحرك هو نفسه في كلتا الحالتين؟ أية مصادفة هذه في اتهام الإسلام بالهمجية! في تاريخ الإسلام البعيد، كما في تاريخ كل الامبراطوريات على الأرض، وقع سبي للنساء، لكننا لم نسمع في الجيل الأول من عيال أمريكا، القاعدة وطالبان، أن أحدا منهم سبى النساء، وباعهن في سوق النخاسة كما يفعل الجيل الثاني، داعش وبوكو حرام! إنه تحديث مريع لماكنة الإرهاب الأمريكية!
    ولنأخذ تطويق داعش لسد الموصل. وصول داعش إلى سد الموصل كان الهدف منه بكل وضوح جعل الناس يصرخون أن الخطر الماحق آتٍ، فلستنجد بالأمريكيين – تماما كما فعل الناس في مالي وفي نيجيريا. تصوروا لو أن داعش نسفت سد الموصل، الأمر الذي حال دونه تدخل الطيران الأمريكي! مسرحية تبكي من الضحك لشدة سخفها، فالإعلام الأمريكي والناتوي كله يصور داعش كقوة تملك من الأسلحة المتطورة التي استولت عليها من الجيش العراقي ما تكفي لتهديد العالم كله. ولو كان الأمر كذلك فإن نسف سد الموصل كان يتطلب من داعش مجرد توجيه بضعة صواريخ إليه قبل، أو أثناء، أو حتى بعد غارات الطيران الأمريكي. لكن داعش لم تفعل ذلك لأن الهدف لم يكن سد الموصل بل إعطاء رامبو، الأب الأمريكي، فرصة للعب دور البطل المنقذ. تهديد سد الموصل هو بروفة داعشية/أمريكية ستتكرر في أماكن عديدة، وفي كل مرة سيكون هناك خطر ماحق لا بد من استدعاء رامبو ليلعب دور البطولة في أفلام وقف الخطر، أفلام لا تصلح للعرض إلا في صالات الدرجة الخامسة. داعش ستعطى الفرصة لتصل إلى أخطر الأماكن في كل بلد في العالم تماما مثلما أعطيت الفرصة للوصول إلى سد الموصل بحيث لا يكون هناك من مخلّص إلا الطيران الأمريكي، والخبراء الأمريكيون، والقواعد الأمريكية التي "يجب" علينا، طوعا وعن طيب خاطر، الترحيب بها حماية لأنفسنا من داعش.

    ونسأل أيضا أنه بعد الحادي عشر من أيلول عام 2001 قامت الولايات المتحدة بالارتباط مع الحرب على الإرهاب بما أسمته "تجفيف منابع تمويل الإرهاب"، أي حرمان منظمة القاعدة من أية فرصة للحصول على تمويل، مع أنها كانت متيقنة من أن التمويل الرئيسي للقاعدة كان، منذ تأسيسها، يأتي من السعودية، فشنت أمريكا حملة شعواء على كل نشاطات جمع التبرعات للفقراء والمحتاجين في العالم العربي بحجة أن التبرعات قد تستخدم لتمويل الإرهابيين. وبهذا الخصوص استطاعت أمريكا عن طريق رمزي "swift"، و "IBAN" مراقبة كل التحويلات البنكية في العالم بشكل مطلق، إذ يتم إبلاغ الاستخبارات الأمريكية بشكل اتوماتيكي وفوري عن أي تحويل للأموال عبر البنوك، وعن طرفي التحويل. نريد أن نعرف لماذا لا تجفف أمريكا مصادر تمويل داعش سواء من السعودية، أو من قطر، أو من مبيعات النفط السوري والعراقي؟ ونريد أن نعرف كيف تصدر داعش وبقية المنظمات الإرهابية النفط إلى العالم، وإلى من يبيعونه، وعبر أية بنوك يستلمون الأثمان. هل توقف دور سويفت وإيبان عند جمع التبرعات لفقراء المسلمين، وعند تحويل الأموال في التبادلات التجارية مع إيران؟

    ثم إنه حتى الأطفال يتساءلون اليوم لماذا تقوم أمريكا بتسويق هائل غير مسبوق لمنظمة إرهابية مثل داعش باعتبارها خطرا على العالم كله، بحيث يتزعم السيد أوباما بنفسه الدعوة للتحالف ضد هذا الخطر؟ أليست هذه محاولة مفضوحة للضحك على ذقون العالم كله؟ سورية استطاعت الوقوف بوحدها في وجه عشرات المنظمات الإرهابية المدعومة أمريكيا، وأطلسيا، وخليجيا، بما فيها داعش، لكن مواجهة داعش وحدها أصبحت الآن تستدعي تحالف كل القوى الكبرى، وكل دول الشرق الأوسط، والقارة الهندية، وأمريكا اللاتينية؟ ثم لماذا يُسمح لداعش باستخدام امكانات التواصل الاجتماعي لبث صور الجرائم التي ترتكبها لبث الرعب في قلوب الناس في كل العالم؟

    الأغبياء وحدهم لا يرون أن داعش مشروع أمريكي مفضوح، وهي الوسيلة التي أخترعتها "العبقرية" الأمريكية لإعادة السيطرة التي بدأت أمريكا تفقدها في العالم، عبر الضغط الإرهابي على كل دول العالم لتخييرها بين قبول التحالف مع أمريكا، أو تلقي رفسات داعش - نفس شعار جورج بوش وديك تشيني: معنا أو ضدنا. ونظرة خاطفة على التسويق الهائل الذي يقوم به الإعلام الأمريكي والناتوي لداعش تكشف أن داعش أصبحت شبحا يجول في كل مكان في العالم، إنها توجد حاليا، أو ستوجد عن قريب في كل دولة على الأرض فيها مصالح أمريكية لكن دون أن تشكل خطرا على المصالح الأمريكية نفسها، بل على مصالح تلك الدول، فلا يكون أمام تلك الدول إلا طلب المساعدة الأمريكية وذلك لخبرة الأمريكان في محاربة الإرهاب، ولامتلاكهم كل مقومات الانتصار على الإرهاب، بما فيها الاستخبارات القوية وتكنولوجيا التجسس المتطورة من الفضاء وباستخدام طائرات بلا طيارين (التي ويا للمفارقة لم تكشف كلها داعش إلا بعد أن أصبحت قوة عظمى تهدد العالم كله، ولا تكشف مصائر مئات الفتيات اللواتي خطفهن شقيق داعش في نيجيريا).

    داعش قوة ساحرة ستدخل عواصم كل الدول العظمى فاتحة منتصرة، وليس أمام دول العالم من خلاص إلا في التحالف مع الأمريكيين، وفتح أرضها، ومياهها، وسمائها أمام الجيش الأمريكي! داعش تهدد بشكل خاص الدول التي تكون تحالفات منافسة لأمريكا، مثل دول مجموعة بريكس. كان غريبا أن يُخرج جربوع شيشاني رأسه، ويهدد روسيا بأنه سيحتل موسكو. تساءل الناس: ماذا يظن الدواعش أنفسهم؟ يفتحون موسكو؟ هم إذن أقوى من جيوش نابليون ومن جيوش هتلر؟ ولكن لم يكن غريبا أبدا أن يظهر زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، بعد أقل من يوم من تصريح الداعشي الشيشاني مهددا موسكو، ليعلن إقامة فرع للتنظيم الإرهابي في القارة الهندية! إذن عيال أمريكا سيحتلون مومبي ونيودلهي أيضا. نحن بانتظار ظهور الدواعش بين  الإيغور في الصين ليهددوا باحتلال بكين وشنغهاي. وترقبوا ظهور داعش في جنوب أفريقيا والتهديد باحتلال جوهانسبرغ، وترقبوا ظهور داعش في البرازيل والتهديد باحتلالها برمتها. وداعش تهدد طبعا، ومن باب ذر الرماد في العيون، باحتلال لندن، وباريس، وبرلين، وواشنطن، ونيويورك! ألم يقل زعيم داعش عند إطلاق سراحه من السجن الأمريكي في بغداد (see you in New York)؟ داعش قوة عالمية لم يخلق مثلها في البلاد.

    السياسة الأمريكية لم تقم في يوم من الأيام على أسس أخلاقية أو إنسانية، لكنها الآن وصلت إلى مستوى غير مسبوق في انعدام الخجل وفقدان احترام النفس. إنها تظهر اليوم متخفية وراء قناع داعش وبوكو حرام. الأمريكيون يظنون أنهم يضحكون على العالم بمثل هذه المسرحيات الهزيلة، لكنهم في الحقيقة لا يضحكون إلا على أنفسهم وعلى أمثالهم من الأغبياء. العالم كله يعرف أن داعش وأخواتها ذرية أمريكية خالصة أبا وأما.
    لا بد من محاربة داعش والقضاء عليها، وإنما ليس بالتحالف مع أمريكا لأن أمريكا هي داعش وداعش هي أمريكا، بل تكون محاربة داعش بإقامة تحالف القوى الإنسانية التقدمية في العالم التي ترفض الهيمنة الأمريكية تماما مثلما ترفض إرهاب داعش وهمجيتها وقطع الغيار الوهابية السعودية فيها. والأمريكيون يجب أن يستفيقوا من غفلتهم فالعالم لم يعد يصدق بهم، وهذه الأساليب الهزيلة في الابتزاز ستكون لها عواقب لن تكون أمريكا نفسها في منجى منها.

  • في بيتنا خليفة .. وفي دستورنا سقيفة

    لايصيبني بالسقم الا سماع الكلام الذي يسقط فوق تلال الكلام وتتكسر فيه أنصال الحروف على أنصال الحروف دون أن تصل الى القلب كما تكسرت نصال السهام على نصال السهام التي أثخنت قلب المتنبي الذي صار في غشاء من نبال الأيام .. فيزيد تكسر الكلام على الكلام من تعبي ومن وجعي ومن غضبي .. لأن تلال الكلام الذي لايضيء ولايشع ولايتوهج لاتشبه الا أكواما من السماد العضوي في الزرائب .. فما نفع الكلام اذا لم يتحول مع الزمن الى مادة مشعة تتألق كاليورانيوم في العقل وتشعل مفاعلاته وتشطر نوى الأفكار والخواطر لتطلق انفجارات النظريات والمشاريع الانسانية الكبرى .. الكلام الذي لا يشع مثل اليورانيوم ولايشطر الموروث ليطلق التفاعلات النووية لايستعمل الا سمادا .. تسمّد فيه عقول الثوار .. 

    خلال قرن من الزمن قلنا كلاما كثيرا عن أحلامنا .. وكنا نعتقد أننا نخصب اليورانيوم المدفون في العقول لكننا اكتشفنا أن غيرنا سبقنا وملأها بفضلات الزرائب وأفرغ العقول من الكلام المشع .. لأن ماظهر بيننا بعد قرن كامل من الكلام عن الحرية وعن الوحدة وعن العدو وعن الحلم .. هو الخليفة .. وجنود الخليفة .. وروث الخليفة .. فهل يقطف الكرّام الكرمة اذا زرع الأفيون؟ وهل تجنى الحكمة والموعظة والفلسفة من بيادر زرعت حقولها بالعواء والهواء والرياء؟  

    اليوم يفاجأ الناس بالخليفة يظهر من كهفه القديم وهو ينفض غبار الصحراء عن عمامته وعباءته وشاربيه ولحيته وينفث الرمال من منخريه ورئتيه ..  البعض يقول بأنه وصل على ناقة محمد بن عبد الوهاب التي هبطت علينا من الفضاء مثل المخلوقات الغريبة التي طفت على بقع الزيت الأسود .. والبعض يقول بأنه وصل مع طلائع الدبابات الامريكية التي دخلت بغداد والتي مدت جسرا من الخلفاء من تورا بورا الى الأنبار .. فيما يقول آخرون بأن الخليفة تسلل متخفيا في عباءة سلاطين بني عثمان

    الجدد وفي طرابيشهم .. ولكن اين المفاجأة في ظهوره؟ وهل كان ظهوره بلا مقدمات؟

    ان من يبحث عن الخليفة في الأنبار والموصل والرقة لن يجده .. فالخليفة يلعب معنا لعبة الغميضة حيث يختبئ في مكان يمر به كل الناس وفي كل الشوارع ولكن لايراه أحد وربما لايريد أحد ان يعترف أنه يراه .. الخليفة يدخل الى بيوتنا وغرف نومنا ومطابخنا .. ويشاركنا في أراكيلنا وفي أكواب الشاي ويلعب معنا الورق كل مساء .. وفي الصباح نتقاتل مع جنوده وظلاله ..       

    الى من فوجئ بالخليفة يصلي في الموصل فانني أعتذر ان قلت له بأن الخليفة صار في بيوتنا منذ أن وصل الينا كارل ماركس على ظهر ناقة عربية .. فالناقة العربية حملت شيوعيينا وبركت أمام الخليفة .. ولولا ذلك لما تحول الشيوعيون العرب الى أتباع للخليفة العثماني في الثورات العربية في ومضة عين ولما حلت المراجع الفقهية للطوائف محل ديالكتيك هيغل .. الشيوعيون العرب بايعو الخليفة العثماني بالأمس .. وفي يوم آخر أدوا البيعة للخليفة البغدادي ..

    والخليفة صار في بيوتنا منذ أن رضي البعث والقوميون العرب أن يسكنوا في خيمة سايكس بيكو قرنا كاملا دون أن يهدموا عمودها ويجتثوا أوتادها .. ومن يسكن في خيمة سايكس بيكو قرنا كاملا لن يخرج منها الا الى خيمة الخليفة بعد أن "تسيكس" الوعي و"تبيكن" الحلم ..

    والى من يحارب جنود الخليفة في الموصل وفي عرسال والرقة ويريد أن يسقطه عن سنام جمله في ديار محمد بن عبد الوهاب فأخشى ان أقول له بأن للخليفة رأسا مثل رأس الهيدرا كلما قطعته خرج من جسده رأسان .. ومن أراد هزيمة الهيدرا فعليه أن يقطع جذورها وشروشها .. ومن يريد أن يحاصر الخليفة في الموصل فأعتذر ان قلت له بأن حصار الخليفة لن يكون الا في الدساتير التي كتبها لنا أحفاد ريتشارد قلب الأسد حيث أخفاه الأعداء .. فصار الخليفة يحاصرنا من دستورنا .. ولم يعد يأكل التمر ويشرب اللبن من ضروع الابل .. بل يشرب لبنه من ضروع الدساتير ..

    كيف سيخرج الخليفة من أرضنا ونحن نفرش له الدساتير والأعراف السياسية في الشرق وفي الغرب؟ ولماذا نلوم فضائيات ابي جهل وجرائده ونلوم وعاظ السلاطين وفقهاء الدم؟ .. فماالذي فعله الخليفة سوى أنه جاء الى ارض دستورها داعشي؟؟ ..

    ففي لبنان عرف سياسي داعشي وضعه الفرنسيون وينص هذا العرف صراحة على أن كل طائفة تجلس على قطعة من الدستور ولاتتزحزح .. طائفة في كرسي الرئاسة .. وطائفة في كرسي البرلمان .. وطائفة في كرسي رئاسة الوزارة .. ولاتسمح طائفة لأي مواطن من طائفة أخرى أن تطأ أرضها وقطعتها من الدستور .. كما تريد داعش الآن في فتاواها .. وصار الحديث عن الطوائف جزءا من الحديث عن الدستور المقدس .. وكلما تغيرت موازين الطوائف وأثقالها الدستورية حدث تفاعل كيماوي رهيب بين مكونات الدستور والعرف سميناه الحرب الأهلية .. تنتهي بطائف للطوائف ودستور داعشي .. والحرب الاهلية في الشرق كانت دوما لاعادة أو كسر توازن طائفي وليس من باب الصراعات الحزبية كما في الحرب الاهلية الاسبانية .. 

    وفي العراق جاء الأميريكيون واجتثوا البعث وزرعوا مكانه بالقوة عن سابق تصور وتصميم خبيث عرفا سياسيا يقضي بتقطيع جسد الدستور العراقي على الطوائف مثل قسائم الحصص التموينية .. وهناك في بغداد زرع الخليفة عصاه بين خطوط العرف الجديد الذي يعطي ماللشيعة للشيعة وما للسنة للسنة .. فتطاولت ثقافة الطوائف وترسخت حدودها .. وأخطر مافيها أنها صارت جزءا من اللغة اليومية .. فقد كنت منذ أيام أستمع لنائبة في البرلمان العراقي كانت تتحدث بوطنية فائقة عن العراق ولكن كل كلامها كان عن المكون السني العراقي كمكون أصيل وطني عراقي .. وبين كل عبارتين كانت هناك فاصلة عن المكون السني الأصيل والذي يحس بالمظلومية .. وقبلها تحدث نائب عراقي أكثر وطنية عن الوطن العراقي الشامل وعن المكون الشيعي الأصيل الذي عانى من المظلومية .. وبين المكونين الشيعي والسني وضع الخليفة عرشه .. لأن داعش انبثقت من بين مفاصل الدستور العراقي ومكوناته وأعرافه السياسية الوليدة في توزيع الوطن على الطوائف .. وهذا الكلام عن مكونات مذهبية لوطن هو بالضبط مااسميه بالكلام الذي لايشع ولايمكن أن يكون يورانيوم الأمة والجيل القادم بل فضلات هذه الزريبة العربية التي يتكوم كلامها عن الطوائف في الدساتير السياسية والحزبية كما يتكوم الروث في الزرائب ..

    داعش هي حالة انعكاس لاستسلام القوى العلمانية والوطنية واستهتارها بالمبدأ الوطني والعقد الاجتماعي الذي يربط قوى المجتمع بروابط مدنية وانسانية ووطنية لتحل محلها الروابط الدينية والمذهبية .. فتفككت الروابط الاجتماعية القديمة التي عاشت منذ حمورابي وقويت على حسابها الروابط الدينية والمذهبية .. ولكن الحقيقة هي أن تثبيت "الداعشية السياسية" سيكون حقيقة ناجزة مقدسة كما صارت الطائفية السياسية في لبنان شيئا واقعا ومقدسا مالم يتم مواجهتها بشجاعة .. لأن مايسمى في لبنان طائفية سياسية هو "داعشية سياسية" دون نقصان .. لأن داعش استيقطت في لبنان أثناء الحرب الأهلية في كل الطوائف ..فقطعت الطوائف ما طاب لها من رؤوس خصومها وخطفت الناس وفقد الآلاف ولم يعودوا حتى اليوم .. ولكن لم يكن هناك يوتيوب ومواقع تواصل اجتماعي أثناء الحرب الأهلية اللبنانية لتبث دواعش ذلك الزمان انجازات وشعارات الموت والذبح .. بل ان سمير جعجع نفسه كان أحد أمراء الحرب المشهورين يقف على الحواجز اللبنانية ويقتل طوائف الخصوم كما يفعل أمراء داعش في العراق وسورية دون أدنى فرق .. وعندما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا وصفها شارون بأنها مجزرة قام بها مسيحيون عرب ضد مسلمين عرب .. في محاولة منه للهروب من مسؤوليته في رعاية دواعش لبنان في القوات اللبنانية آنذاك والذين كان يشرف عليهم ويغطي تمردهم كما يشرف نتنياهو الآن والمخابرات الغربية على دواعش هذا الزمن من الاسلاميين ليقول نتنياهو لنا: "ان اليوم هو مرآة الأمس لكنه معكوس .. لأن داعش هم مسلمون عرب يقتلون مسيحيين عربا .. وداعش أيضا هم عرب سنة يقتلون عربا شيعة .. ونحن لادخل لنا في هذا القتل" .. 

    نحن مع ظاهرة داعش أمام تجربة تحاكي تماما تجربتنا مع سايكس -بيكو التي كنا نلقي عليها أطنان الكلام والشتائم ولكن في النهاية بقيت خطوط التقسيم وبقيت سايكس بيكو وبقيت تلال الكلام الذي جمعناه وأنتجناه في قرن كامل والذي لم يتحول الى يورانيوم في عقول الناس ليشع لهبا ويذيب فولاذ الخطوط ..

    لاأزال أتوقف أمام خارطة سايكس بيكو التي قهرت عدة أجيال وعدة أحزاب وعدة شعوب ولم يقدر أحد أن يزحزح خطا واحدا فيها ولاأن يعدل الخطوط الحمراء والزرقاء والسمراء وصار الكلام بلا معنى ونصال الكلام عن تلك الخطوط تكسرت على نصال الكلام ..

    قرن كامل على خطوط سايكس بيكو وهي جاثمة لاتتحرك كأننا ندفع بايدينا العارية جسد أبي الهول ولانزال لانعرف سبب رسوخ الخطوط وسطوتها وسر تلك التعويذة المقدسة التي كتبها سايكس وبيكو على ورقة .. كأنها تعويذة مقدسة لاتقدر حتى الزلازل على تجاوز خطوطها ..

    لكن اليوم بدأنا نعرف سر التعويذة وسبب اندحار غزواتنا على سايكس وبيكو وسبب عدم تخصيب يورانيوم الكلام في العقول .. وقد جاءت داعش بالسر وربما بالدواء .. فـ"سايكس وبيكو" لم يجلسا على الحدود يراقبان العابرين وينصبان نقاط التفتيش ومقرات الهجرة والجوازات .. بل جلس هذان الخبيثان في الدستور في أول مادة ترسم الحدود النهائية لكل بلد في سورية ولبنان والعراق والاردن وانضمت فلسطين باختراع القرار الفلسطيني المستقل كنظير للمادة الأولى من دساتير بلاد الشام والعراق التي وقفت خلف قضبان سجن سايكس بيكو .. وصار احترام الحدود مدخلا لاحترام الدستور المقدس واحترام الدستور مدخلا الى الهوية الجديدة والانفصال النفسي .. فلبنان دولة مستقلة .. وسورية دولة مستقلة والأردن والعراق وفلسطين .. وأول بنود الدستور في هذه البلدان هو تقديس استقلال هذه الكيانات المستقلة ..

    خرجت جيوش سايكس وبيكو من الجغرافيا ولكن الرجلين دخلا قلعة الدساتير الوطنية وأقفلا الباب الحديدي خلفهما .. وعبثا يبحث الناس عن مفاتيح الحدود وعن ديناميت ينسف الجدران أو سلالم تتسلقها .. وكانت أنصال الكلام تتكسر على أنصال الكلام عن الوحدة وعن الحدود المصطنعة وعن وحدة المصير وكسر ارادة الاستعمار .. ولكن لم يجرؤ أحد على دخول الدستور الوطني وكتابة المادة الأولى فيه أن بلاد الشام والعراق دولة واحدة .. بل كان أعز طلب لدى ثوار "الحئيأة" اللبنانيين هو ايجاد سفارة لسورية في لبنان .. كنوع اضافي من تكريس تعويذة سايكس بيكو .. 

    وفي لبنان عاشت داعش عقودا ستة في الطائفية السياسية والتي هي سايكس بيكو دينية .. وكأنها كانت تنتظر الخليفة وزمن الخليفة .. فكيف لايظهر خليفة في بلد دستوره مفصل على مقاس الخليفة .. رعاياه مواطنون لاينتمون الى وطن بل سنة وشيعة ودروز وموارنة .. كل يبحث عن خليفة؟؟ في الحرب الاهلية اللبنانية كان الخلاف الظاهر على شعارات وطنية ولكن الجيوش والميليشيات التي تقاتلت كانت أجل أن توسع كل قبيلة قطعتها من الدستور الذي تجلس عليه .. والدليل هو أن كل طائفة كان لها حزبها الذي يرتدي اسما براقا من الحرية والتقدمية والاشتراكية والأمل .. وأستثني من هذه المعمعة حزبين أو ثلاثة .. 

    داعشية الحياة السياسة في لبنان والعراق التي تحاصرنا في سورية والاصرار على بقاء الطائفية السياسية في هذين البلدين سيعني أن عقيدة داعش السياسية ستحكم المنطقة وان اختفت كظاهرة عسكرية كما يتوقع لها لتنفجر بين فينة وأخرى .. لأن عقيدتها ستبقى في دستور بول بريمر ودستور استقلال لبنان ..

    في سورية سيهزم المشروع الاسلامي لعقيدة داعش كما هزم الاسلام السياسي .. وبقيت ثمالة ستبقى بسببها رائحة داعش في حياة السوريين وتكمن في المادة الثالثة للدستور التي تقضي بأن يكون دين رئيس البلاد هو الاسلام .. وأذكر اننا قبلنا بتلك المادة على مضض لضرورات المرحلة على أن يتم اخضاعها للنقاش والتعديل في مرحلة لاحقة بعد نهاية الأزمة .. فهي الآن آخر بقايا داعش في سورية ..

    ويجب الاستفادة من حقيقة أن سورية هي التي دحرت مشروع الاسلام السياسي وبصمودها بدأت مصر بالانقضاض عليه .. ولاشك ان تركيا لايمكن ان يستمر فيها الاسلام السياسي اذا تم عزله عن الجنوب وهو يناطح أسوار سورية والعراق ومصر .. لذلك على سورية أن تبدأ باقتلاع مابقي من الداعشية السياسية في المنطقة .. والغاء هذه المادة من دستورها في قادمات الايام .. فالغاء هذه المادة هو الذي سيشكل ردا على ثقافة داعش وتأسيسا لمرحلة حقيقية من مواجهة سايكس بيكو الديني والجغرافي ويشكل دعوة حقيقية لوقف نزيف المسيحيين المشرقيين الى المهاجر .. لأن داعش تريد استئصالهم واستئصال الأقليات جميعها بالساطور .. ولكنها تستأصلهم مع غيرهم بالدستور أيضا .. واذا انتهت الداعشية السياسية بخطوة شجاعة في سورية (التي ستهزم الداعشية العسكرية كما صار حتميا) وتثبت الدين لله والوطن للجميع فان ذلك قد يساعد في اطلاق موجة نحو العراق ولبنان والمنطقة لأن لهذه القضايا تأثير الدومينو .. تسقط فيها الطائفية السياسية .. وتسقط معها الداعشية السياسية تدريجيا .. والا أعدنا درس سايكس بيكو المؤلم ..      

    في زمن ماض كنت أحلم يوما بحزب البعث الحجازي .. وبفرع للحزب الناصري في نجد .. وأحلم بحزب اشتراكي في الامارات أو قطر .. واذ بي أفيق من أحلامي لأجد أن الناصرية هزمت في مصر .. والبعث انتهى في العراق .. وأن سورية تمكنت من الافلات من مصير رهيب بثمن كبير واننا دخلنا في بعث داعش .. ووهابية الشيوعيين .. وأن الصراع الدائر بين الرمل والنهر لايسير في مصلحة النهر .. فلقد غلب الرمل مياه النهر .. ولاندري كيف وصل الرمل الى مياه النيل بدل أن يصل النيل الى الربع الخالي ويرويه .. ولاندري كيف ارتفعت كثبان الرمل وابتلعت دجلة والفرات .. وكبف تجرأ الرمل على بردى ..

    لكن الحقيقة هي أننا وجدنا أن في بيتنا خليفة .. وفي دستورنا سقيفة .. 

    أنا لم أقتل خليفة يوما .. ولكني سأدعو الى قتل دستور الخليفة ..

    وانا لم أهدم سقيفة .. ولكني أدعوكم لتشاركوني في هدم السقيفة التي يجلس في ظلها الخليفة ..

    فهل تشاركونني في هدم السقيفة على رأس الخليفة؟؟

  • مواجهات المصير...والسقوط في الخندق المعادي

    لعل المتابع المتبصر لما يجري من أحداث مركّزة مكثّفة متلاحقة بشكل غير مسبوق في قلب العالم العربي ودوله الكبرى المؤثرة (في بلاد الشام وبلاد الرافدين و مصر وليبيا و اليمن وغيرها) يكاد يعانده استقراء المنطق السليم ,ولايصدق تدفق شلال هذه الأحداث الرهيبة العبثي و سيجدُ حتماً صعوبةً كبيرة في استيعابِ مفاعيلها وتأثيراتها على الواقع الجغرافي والسياسي.

    إن الأحداثَ المتوالية التي انقدحت في منطقتنا وراحت تحرق بنيرانها المشتعلة الجميع وتهدد بتغيرات وجودية و كيانية مذهلة تقع بعد سنوات طويلة من نشر مشاريع ومخططات أطلقتها أصوات وأقلام في مراكز بحثية غربية لمستقبل شعوب المنطقة العربية وشكل بلدانها الجديد,لكنها بدت لكل العقول العربية "الكبرى" وقتذاك نوعاً من الأحجيات والطلاسم,صعبة الفهم و التصديق والاستيعاب لدرجة أنها لم تكن قادرة على تفكيكها وإعداد خطط المواجهة المصيرية لها عندما تحين سنوات الحسم.

    فلم يُقابل نشرُ خرائط المنطقة الجديدة وإطلاقُ تعابير ومصطلحات وافدة من مثل "الفوضى الخلاقة" أو مشروع "الشرق الأوسط الجديد" إلا بنوعٍ من ثقافة نخبوية ضيقة تشبه إرهاصات توجسات غير ناضجة أو مُدركة وكأنها صنفٌ من الترف الفكري تناولَتها بعضُ النخب دون أن تكون قادرةً على إيصالها لوعي الجماهير,والعمل على خلق بيئات ممانعة لها، قادرة على تحطيمها وإسقاطها في أوقات المواجهة المصيرية، قوبلت هذه الأصوات القليلة التي تحدثت بخطر هذه المشاريع والخطط المشبوهة بهدير ثقافة وجوقة مثقفين "نفطيين" أن هذا كله ليس إلاّ ولعٌ وإيغالٌ في ترويج فكر المؤامرة, وسيطرةٌ له على العقول العربية التي ابتليت بلغة خشبية قديمة لم تغيرها. وبات على الإنسان العربي أن يعطل عقله وأن يتناسى تاريخه القريب والبعيد, وأن ينشط كل غرائزه ليصبح متلقياً "صالحاً" سهل المنال لسيل لاينتهي من الكذب والتضليل .

    هذا الفكر النفطي المُستأجر هو ذاته من فرش الطريق لهذه الخطط والمشاريع المدمرة وكان مفكروه أنفسهم من استخدم السيناريو المعدُّ سلفاً لها,وانطلقت بواكير التصنيفات الطائفية والمذهبية, فأصبح عندهم الردُّ على "الفوضى الخلاقة" إعلانَ وجود "هلال شيعي" في المنطقة من قبل ملك الأردن ،المعلومة العبقرية الفهلوية التي تغطّست بعوائدِ النفط مراتٍ كثيرةً و لاكتها ألسنةُ طائفية مأجورة بدون كلل أو ملل، وبات الرد على  مشروع "شرق أوسط كبير" ومخاضه أثناء حرب تموز 2006 نوعاً من الانخراط مع العدو الصهيوني بالتآمر العلني وما استتبع ذلك من فضائح تزكم الأنوف بحيث يُعهد بمال عربي بترودولاري لتشكيل مجموعات إسلامية متطرفة لغرض طائفي من أجل قصِّ أجنحة المقاومة وسحق مقدراتها البشرية واللوجستية وضرب البنى الأساسية التي تستند إليها ,كما تم العمل الحثيث على تشويه السمعة و شيطنة كل من يحارب الكيان الصهيوني المحتل أو يحمل هذه الثقافة.وهنا يمكن قراءة الواقع الحالي وتأثيراته الكارثية المتلاحقة في أوراق ووثائق الماضي القريب [تقرير سيمور هيرش 2007عن تشكيل المجموعات المتطرفة في لبنان وطرق تغذيتها لوضعها وجهاً لوجه أمام المقاومة] وعبر التقارير والبيانات الصادرة عن الإدارات الأمريكية و مسؤوليها تكشف ما حدث ويحدث في المنطقة[خطة بوش والمحافظين الجدد في أمريكا في إسقاط سبع دول في المنطقة ابتدءاً من العراق فسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن.. حسب ما صرّحَ به كبار رجال المخابرات الأمريكيون عبر ما دعي نظرية " تساقط قطع الدومينو"].

     تم خلال ذلك صرف مبالغ نقدية كبيرة لتشويه المقاومة ولشراء ذممٍ للنشر والتعميم والترويج وللتورية والكذب والتضليل بدأت بها الإدارة الأمريكية مباشرة بعد حرب تموز 2006 ,مضافاً إليها الدعم السخي الذي حظيت به المعارضة السورية الخارجية ومجموعات "المجتمع المدني وتشجيع الديمقراطية" في أقطار عربية كثيرة من قبل الإدارة ذاتها.

    هاهم العرب مرة أخرى يستعدون لتشكيل جوقة مساندة جديدة,تقرع طبول الحرب وتندفع في الصفوف الأمامية لجحافل المعارك العالمية الكبرى للقضاء على خطر الإرهاب "الإسلامي " ,البعض يفعل ذلك مضطراً وبعضهم يفعل ذلك مختاراً,وبعضهم يفعله خاضعاً لأجهزة تحكم وسيطرة خارجية.

    يستعاد السيناريو القديم في ضرب الخطر الأحمر "الشيوعي" بذات أدواته وبيادقه وبذات الطريقة والأسلوب يتم تشكيل الجبهات المتقاتلة لدفن الصفحات القديمة وتشكيل المصطلحات المواكبة لسيناريو إنهاك المنطقة الجديد.لايمكن تفتيت الأمة وإضعافها بطريقة أسهل من ذلك,معارك طائفية ومذهبية وعرقية متنوعة.

    و لكيلا لايتوه المرء في خضم دخان الحروب المشتعلة والسيولات الجغرافية المذهلة التي تجتاح المنطقة أو يفقد بوصلته ضمن تداعي الأحداث السياسية وتناقضاتها وتبدلها,وبسبب تقارب الجبهات المتقاتلة وتغير بعض التحالفات والإفلاس الذي تشعر به بعض الحكومات المرتبطة بالخارج وبسبب تبدل الخنادق السريع في هذه المواجهات, فقد تجد نفسك في خندق عدو أزليّ لك,تطلب مساعدته من خلف متراسك,بحيث أصبح هذا الخيار متاحاً في المنطقة,وصار الأمريكي بفكره التقليدي المتغطرس وذيوله واستطالاته موجوداً في ساحات مشتعلة كثيرة من العالم العربي يُطلب منه المساعدة كمخلِّصٍ في الحرب على الإرهاب,الأمرالذي لايبدو حلاً مثالياً أو مقبولاً لمشاكل الشعوب العربية.

    لذا يجب أن لاتضِلَ مراكبنا في هذه الأنواء القاسية والطقوس المظلمة,ويجب أن تتجه بوصلتنا نحو جنوب مغناطيسي لانخطأه عند هبوب العواصف المفاجئة.

    يجب أن يستبقى مجالُ واسعٌ لرأيٍ مختلفٍ مغاير يرفض رهنَ قسمٍ كبيرٍ من عرب المنطقة "السنّة" والتعامل معهم ككتلة صلبة واحدة متطرفة دينياً, تشكل بيئةً حاضنةً لهذه الفكر الديني ويصبح معها المقامرة بهم في حرب مذهبية مُفصّلةٍ أصلاً للمنطقة في دوائر الغرب المعادي أمراً لا يسترعي حفيظة أحد.

      إن جموع التيار البشري الواسع المُعبِّر عن المناطق الواقعة في شمال وشرقي سورية وغربي العراق والمأسور حالياً بطبقة متطرفة طافية على سطح التحولات الجديدة,لايمكن معاملته كقيمةٍ مضافة غير مؤثرة حسابياً في مشهد المواجهة الأخير ونتائج الحرب الكارثية أو اعتباره ضحية مقبولة لقصفٍ أمريكي أو لتمترس أفواجِ من المتطرفين بينهم.

     إن تفكيك الفكر المتطرف الحالي الذي يغطي الصورة الكاملة في كل العالم العربي وعزله فكرياً و موضوعياً في بيئته, والعمل على إحياء وتنمية فكر معتدل يعبر حقيقةً عن المطالب الوطنية العقلانية المرتبطة بالمصالح الشعبية السنيّة يعدُّ باكورةَ الطريق نحو حلٍ موضوعيٍ تجترحه شعوب المنطقة وقياداتها الواعية.ويلزم ذلك افتكاك القسم الكبير من المواطنين الواقعين تحت سطوة التطرف والإرهاب في المناطق المشتعلة بكل تصنيفاتهم الطائفية,خاصةَ أولئك السنّةُ الذين شكلوا على الدوام أديم العروبة في المنطقة ومتنها,ويجب عدم تركهم رهينةً مُكرهةً مأسورةً تدور باسمها زوراً أوار الحرب المذهبية المدمِّرة.

     إن انخراط حلف المقاومة الكامل ودخوله في حرب مذهبية طائفية في المنطقة يفرض إسقاطاً موضوعياً لكل طاقات الأمة العربية وشعوبها في السيناريو المعادي الذي طالما حذرنا منه,وبذلك ينجرُّ الجميع لحربٍ عبثية يقودها الحمقى والأغبياء والطائفيون وسيسقط فيها مئات الألوف وربما الملايين من الأبرياء بدون طائل أو فائدة,وقد تفاجئك ظروف الواقع الميداني للحروب المصيرية فتسقط في خندق العدو وتصبح معه في جبهته كتفاً لكتف وتبدأ بالتصفيق لعدوك القديم [أمريكا وتوابعها] وهو يقتل ابن بلدك في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها في صور متلاحقة لقُصُوفاتٍ(ج قصف) جوية تشبه ألعاب الفيديو والرسوم المتحركة,تحتاج كل صورة وموقعة منها عشرات التحقيقات لكشف مصداقيتها وبراءة أو إجرام الضحايا فيها.

    لذا يجب عدم الانجرار وراء الأحداث الجارية بمنطق الغرائز الطائفية والأحقاد المشتعلة والرؤوس الساخنة,والبحث السريع عن حلول إبداعية إصلاحية تعيد تحكيم العقل إلى هذه الساحات المليئة  بالجنون المذهبي والتطرف الطائفي,والعمل على استعادة كل طاقات ومقدرات الأمة العربية والإسلامية,ونفضِ هذا الغبار الطائفي عن ضميرها الراسخ المتجذر,و مواجهة مؤامرة مشاريع الخرائط الجديدة بخطط توحيد وتشارك لكل الإرادات الواعية والمقاومة في المنطقة بعيداً عن اجترارالسيناريو الأمريكي ومصطلحاته ذاتها.

    حوادث و حقائق :

    - صدور القرار 2170 من مجلس الأمن بمكافحة التنظيمات الإرهابية تحت الفصل السابع 

    - الطيران الأمريكي يقصف في العراق واليمن وليبيا

    - أوباما يعلن: سنستمر في الطلعات الجوية فوق العراق و"الدولة الإسلامية" سرطان في المنطقة لايمكنه أن يعيش فيها.

    - العراق يتسلم 15 مليون قطعة سلاح

    - الطيران السوري يقصف معاقل المتشددين في الرقة

    - أمريكا تعلن فشل عمليات استخبارتية في سورية لتحرير أسرى ورهائن أمريكيين لدى "الدولة الإسلامية"

    - سقوط مئات الضحايا كلَّ يوم في العراق وسوريا وبقية الدول العربية

    د.عبدالمعين زريق

    حلب

    16-8-2014

    المقالة منشورة في جريدة الأخبار

  •  ما بين 11/9/2001 و 11/9/2014 فيلم أميركي طويل

    فيلم أميركي طويل الحديث هنا ليس عن مسرحية المبدع زياد الرحباني التي قدمها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية و حاول من خلالها تسليط... الضوء على ظروف الحرب و المجتمع اللبناني بطريقة كاريكتورية ناقدة..الحديث اليوم عن فيلم أميركي ممتد منذ ثلاثة عشر عاماً إلى يومنا هذا فيلم أمريكي خالص مدوّن بسبك متين و ممتلئ بعنصري الإثارة و التشويق اللذين عودتنا عليهما مشاهد هوليود بكامل بهرجتها و تقنيتها العالية
      الفيلم افتتح أول مشاهده بمشهد هيتشكوكي في 11/9/2001 مشهد تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك وهو مشهد أصبح مقياساً كريختر في تحديد الزلازل إلا انه مقياس يمثل رؤية ساسة و مفكري و صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية لطريقة الغزو الجديد للعالم بشكل عام و للشرق الأوسط على وجه التحديد فبعد هذه الحادثة و تبني القاعدة و زعيمها أنذاك "اسامة بن لادن" لها بكت امريكا ضحايا التفجيرين و بدأت حملة الإنتقام لدمائهم "الزكية!!" عبر رفع شعار "محاربة الإرهاب في كل العالم" و صارت أي دولة تقف في وجه أمريكا هي بالضرورة واقفة في وجه هذا المشروع أي أنها تدعم الإرهاب و يستوجب على أمريكا و كل حلفائها إعلان الحرب عليها و تغيير أنظمتها و خلق أنظمة جديدة مواليه لها تلبس ثوب الحرية و الإعتدال!!
    ثم انتقل المخرج العبقري الأميركي لتصوير ثاني مشاهد فيلمه لكن هذه المرة تغير موقع التصوير فبدل أن يكون التصوير داخلي ليلي أصبخ خارجي نهاري على أرض الأفغان المعقل الرئيس للقاعدة و بدأ منها جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تنفيذ شعاره بمحاربة الإرهاب و أرسل قواته رفقة حلفائه إلى أفغانستان لمحاربة القاعدة و لم يكتف بذلك بل كانت أفغانستان حجر الدومينو الأول الذي سينتقل عبره إلى تدمير المشرق و إضعاف و إزالة كل مشروع مقاوم لإسرائيل و كان البوابة هي خدعة الأسلحة المحرمة دولياً في العراق حيث اتهمت الإدارة الأمريكية نظام صدام حسين بحيازته هذه الأسلحة و انها تملك الدلائل التي قدمها كولن باول في جلسة الأمم المتحدة لإقناعهم بوجوب تنفيذ ضربة لنظام البعث العراقي لتجريده من هذه الأسلحة و معاقبته على ديكتاتوريته بحق شعبه و دعمه للإرهاب ثم بعد ان سقط النظام بدات تظهر التحليلات التي أثبتت عدم صدق هذه الدلائل و أنها ملفقة
      وسقطت بغداد في تاريخ 20/3/2003 بعد أن هرب رئيسها و تخلى عنها جيشها الجيش العراقي الذي كان يعد من أقوى الجيوش العربية و الإقليمية و دخلت أميركا و حلفاؤها إلى العراق لنشر الديمقراطية و الأمان(!!) لكن الهدف لم يتحقق فبدلاً عن ديمقراطية العم سام تحولت العراق إلى دولة مفككة بلا جيش ولا نظام قوي يسيطر على مفاصل الدولة و يحميها و بدل الأمان الموعود انتشرت الميليشيات الطائفية و تكرست القاعدة في العراق أكثر فأكثر ثم بعد أن انتهت ورقة العراق و نفدت حقولها من النفط أو كادت انسحب منها الأميركي تاركاً خلفه شبه دولة يسكنها شعب يعاني ما يعانيه من أمراض سياسية و اجتماعية و اقتصادية
      ترك العراق لكن قبل انسحابه منه كرر مشهد افغانستان و العراق بكلاكيت مكرر لكن هذه المرة بطريقة مختلفة طريقة لا تكلفه أي جندي او دولار واحد احتلال تحت اسم نشر الديمقراطية "الربيع العربي" فاستغل الأمريكي عطش الشعوب العربية للديمقراطية و تململها من حكامها الذين مارسوا عليها أقسى انواع الإضطهاد فقاموا بدعم كل دولة يصل إليها الربيع العربي دعماً غريب الشكل و الاسلوب يهدف إلى التقسيم و التشرذم دعم يهدف إلى إيصال الإسلام السياسي الذي تبنوا شعار محاربته في افغانستان و العراق و أيدوه في تونس و مصر و ليبيا بعد أن شكلوا حلفاً دولياً لضربها و تم بالفعل الحلف و انطلقت الطائرة الأميركية و طائرات الناتو فوق سماء طرابلس الغرب تسرح و تمرح لتنهي حكم القذافي و تترك ليبيا لرياح الإقتتال القبلي و السلفي
      و ليكتمل فيلم "ضرب الإرهاب" في العلن و "تعزيز الوجود الأميركي في المنطقة عبر حماية إسرائيل" في السر كان لابد من ضرب أهم الدول المقاومة للمشروع الصهيوأمريكي و الداعمه لحركات المقاومة في لبنان و فلسطين و العراق ألا وهي سورية و جيشها فانطلقت أزمة سورية لتجتاح العالم و تقسمه عامودياً بين مؤيد لإسقاط النظام السوري و معارض له و قد تزايد عدد الممثلين في هذا المشهد الأخير حيث لم يقتصر على السلاح الأميركي و الناتوي كما في (أفغانستان و العراق و ليبيا) ولا على أبناء الشعب المقهورين كما في (مصر و تونس) بل تحولت سورية لأرض الجهاد الأولى لكل التيارات الظلامية و الوهابية و أصبحت قضية اممية فلم يبق دولة لم تتدخل في الحرب السورية كما استقطبت الحرب حزب الله إلى ساحاتها فجاء الحزب تحت مسمى حماية ظهره و سنده و غررت بحماس أيضاً لتحييده عن هدفها في المقاومة ما سبب تبدلاً في جماهيريتهما في الوطن العربي بين مؤيد و معارض بشده علاوه على تحول سورية لمادة دسمة لجميع وكالات الأنباء العالمية فأبتداءً بأخبار التظاهرات إلى الإنشقاقات إلى أخبار ميليشيا الجيش الحر انتقالاً للنصرة فداعش ختاماً بصور التفجيرات و ضحايا القتل الطائفي و مشاهد الذبح عدا عن ترسيخ سورية كوجبة رئيسية على موائد التفاوض بين الدول الكبرى روسيا و أميركا و تحول سورية لجسر عودة روسيا و حلفائها من دول البريكس إلى الواجهة الدولية و تحول إيران لمحج أوربا بسبب سورية بعد فترة الحصار و المقاطعة الطويلة لها
      و تعددت سناريوهات هذا المشهد الختامي بين حكومات حره في المهجر و إئتلافات لنصرة الشعب السوري و أحلام في مناطق عازلة تصبح منطلقاً للميليشيات التي تقاتل الجيش الوطني السوري مروراً بالضربة الأميركية التي كانت تحضر لها لضرب النظام القائم في صيف العام الماضي مدعومة من المال الخليجي و الحليف التركي و التي انتهت بصفقة الكيميائي التي قررت الحكومة السورية من خلالها تجنيب سورية و شعبها حرباً كانت واقعه لا محالة عبر دخولها في منظمة حظر السلاح الكيميائي و تسليمها مخزونها منه بالكامل..
    و بعد هذا كله و بعد ثلاثة عشر عاماً من التأليف و السناريوهات و الإخراج وصل الأميركي و حلفاؤه إلى الدقائق الأخيرة من فيلمهم دقائق ستكون مليئة بالدماء و التطورات النارية حيث أعلن الرئيس الأمريكي أوباما عشية ذكرى تفجيرات أيلول في خطابه للشعب الأمريكي عن استراتيجية جديدة ستنهجها الولايات المتحدة للقضاء على الإرهاب بصورته الجديدة داعش عبر تشكيل حلف دولي من 40 دولة ستضرب مقرات التنظيم و توقفه حسب زعمها إلى الأبد في العراق و سورية و كانت الحكومة السورية قد وافقت على قرار الأمم المتحدة 2170 القاضي بمكافحة الإرهاب لكن من خلال التنسيق معها بشكل مباشر و هذا ما رفضه أوباما في خطابه بل و أخرج كل من إيران و روسيا من التحالف الطويل الأمد كما أسماه.
    يترقب الجميع اليوم نهاية هذا الفيلم المأساوي الطويل و كيف سينتهي هل سينتهي بتحالف حقيقي لضرب إرهاب داعش يمر عبر الحكومة السورية ما يعلن إنهاء الحرب السورية و الإقرار بشرعية النظام القائم في سورية فالتنسيق اعتراف بالشرعية؟ أم سيكون سيناريو جديد لضرب سورية تحت شعار ضرب الإرهاب و دعم المعارضة المعتدلة ما سيدفع لتقسيم المنطقة طائفياً و قومياً(كردستان ربما)؟ ولكن يبقى السؤال الأهم الآن يقع على عاتق كل من روسيا و إيران و سورية و حزب الله الإجابة عنه ماهي الحركة القادمة لهذا المحور في وجه التحرك الأمريكي الذي أبعدهم و رفض الإعتراف بهم....

    -----------------------------------------
    *جعفر مشهدية
      عضو الأمانة العامة لحزب الشباب الوطني للعدالة و التنمية

  • يسارك شرفك 1- الشرف الوحيد في عالم السياسة

    الخجل من اليسارية

    قفز إلى رئاسة العراق، من حيث لا يعلم أحد، وهو أمر ليس غريباً على السياسة في العراق، شخص لم نكن نعرف عنه شيئ تقريباً، ففتحنا أعيننا نبحث عن أمل في هذا الضياع الأمريكي الإسرائيلي الذي يلف البلاد ويلقي بها في غيائب المجهول، ولا يريد أن يترك في قياداتها إلا السفلة والمتوحشين المندفعين إلى الليبرالية الجديدة وحرية النهب، (حرية السوق)، فقرأنا أن "معصوم" كان في فترة من حياته "شيوعياً"، فكان ذلك بصيص أمل، أن تكون شيوعيته الماضية قد تركت أثراً أنسانياً في زاوية ما من رأسه وأن يكون قد قرأ يوماً شيئاً عن الجانب المدمر للرأسمالية، فإذا به يكشف عن حقيقته كاملة في خطاب توليه الرئاسة، بتجاهله تلك الفترة من حياته تماماً، ويتجاوزها كما تتجاوز امرأة وصمة عار في تاريخها!

    وقبل ذلك كان رئيس الوزراء المتنحي الذي قامت أميركا بإزاحته أخيراً كما فعلت بالذي جاء قبله، يهتف مفتخراً بأنه أسهم في القضاء على النظام الإشتراكي في العراق! وقبل ذلك كان وزير الدفاع يضمن خطاب تعيينه وعداً بـ "القضاء على الإرهاب والشيوعية"!

    كل ذلك جرى تحت سمع وبصر الحزب الشيوعي العراقي ولم يفتح فمه بكلمة احتجاج أو عتاب أمام أي من هذه الأحداث، بل يسارع قادته بدورهم قبيل الإنتخابات الأخيرة إلى التأكيد على أنهم "يؤمنون بحرية السوق"!

    فهل صارت اليسارية والإشتراكية والشيوعية كلمات سلبية يستنكرها المجتمع، ويتهرب من الإتصاف بها أفراده ويتجاوز ذكرها من ارتبط بعض تاريخه بها، ويفخر من حاربها بما فعل، ويعلن من يحمل رمزها، توبتهم وبراءتهم منها، و "إيمانهم" بالدين الجديد؟ هل صار اليمين هو الشرف واليسار عار في المجتمع الذي تسيطر على سلطاته الإعلامية مؤسسات رسخها الإحتلال الأمريكي في البلاد واستلمت مقاليد سياستها جهات دينية ذات تاريخ معاد لليسار؟ دعونا إذن نقلها ونبرهنها في هذه المقالة بصراحة لا مجاملة فيها: اليسارية هي الموقف الإجتماعي السياسي الوحيد الشريف، وكل ما عداها أنانية واطئة، تتلبس أقنعة مختلفة، وتتجمل بأسماء مضللة!

    اليسار إجتماعي واليمين فردي

    اليسار إجتماعي الهدف بطبيعته، بينما اليمين فردي الهدف بطبيعته، ويركز الأول على القيم الإجتماعية كالتعاون والسلام والمصالح الإجتماعية مثل مجانية التعليم ومجانية التأمين الصحي للجميع وتحديد ساعات العمل وحد أدنى للأجور والتأمين الإجتماعي للمحتاجين وغيرها، وقد دفع اليساريون من أجل كل منها وفي معظم البلدان، دماءاً غالية، في صراع مرير بدأ قبل ولادة ماركس بزمن طويل.

    أما اليمين فيركز على القيم الفردية كالتنافس وتحقيق الأرباح القصوى وتقديس الملكية الفردية وإعطاء الأثرياء حرية التصرف بأموال المجتمع ومقدراته وامتلاكهم لمفاصل السلطة فيه.  وبما أن "الشرف" مفهوم إجتماعي، من المفاهيم التي وضعها المجتمع لتشجيع تصرف معين يراه في صالحه وردع تصرف آخر معاكس يراه ضاراً له، فلا يمكن تعريف “الشرف” فردياً. إن شخصاً يعيش حياته منفرداً على جزيرة، مثل روبنسون كروزو، لن يعرف ما يفعله بمثل هذه الكلمة، وكيف يستعملها ليميز الصحيح من الخطأ بالنسبة له، بينما لو عاشت على هذه الجزيرة مجموعة من الناس، لوجدت في تلك الكلمة أداة ثمينة لها ولتمكنت من استخدامها لتثبيت كل ما يساعد المجموعة على البقاء، وصار "الصدق" "شرفاً" و "العمل الجماعي" "شرفاً" و "أداء الواجب" (تجاه المجموعة) "شرفاً" و "مساعدة المحتاج" “شرفاً” ..الخ.

    تحديد اليسار

    ولأجل تحديد ما نقول ونتمكن من تبيان العلاقة الإستثنائية بين "شرف" المرء ومقدار "يساريته" كما يشير عنوان مقالتنا، يجب أولاً أن نحدد المقصود بكل من "اليسار" و "الشرف" وهما كلمتان شائكتان بالتأكيد. كيف نحدد اليساري؟

    اليسار الكاذب

    في عالم تسيطر فيه رادارات التشويش الأمريكية والإسرائيلية على "الإعلام" في عالمنا ، يجب أن لا ننتظر جواباً سهلاً! لننظر إلى هذه الأسطر للكاتبة المصرية إكرام يوسف في مقالتها " مسميات ثورية بنكهة المارينز"

    “في بواكير شبابنا، كانت الأمور أكثر وضوحا ، والأسماء تساوي بالضبط مسمياتها: الحليب حليب، وعصير الفواكه عصير فواكه. ثم أخذت الأمور تختلط تدريجيا: عرفنا الحليب بطعم الفاكهة! و الفواكه المهجنة بفعل الهندسة الوراثية، فذقنا الخوخ بطعم البرقوق، والفراولة بطعم البطاطس أحيانا، والخيار أحيانا أخرى! وشيئا فشيئا لم تعد الأسماء تعبر بدقة عن مسمياتها. وظل الأمر في حدود المقبول طالما لم يخرج عن تجربة مذاقات جديدة في المأكولات والمشروبات....
    وبالمثل، كنا قديما نعرف من هو اليساري، ورغم اختلاف تيارات اليسار الماركسي المصري، إلا أنك كنت تستطيع أن تحدد ثوابت اليساريين، فلم تكن تجد يساريا ـ مثلا ـ يدافع عن التطبيع مع الكيان الصهيوني من دون حل القضية الفلسطينية ”(1)

    تشويه اليسار واليسار الجديد المنافق

    قال أحدهم ساخراً من المحاكم العسكرية: "إن علاقة المحاكم العسكرية بالمحاكم، كعلاقة الموسيقى العسكرية بالموسيقى"، ويمكننا أن نقول أن علاقة اليسار الجديد باليسار، كعلاقة الليبراليون الجدد بالليبرالية: لا توجد أية علاقة ، إلا علاقة اللفظ!

    فما لا يستطيعون تشويه اسمه وإعطائه معنى كريهاً ليهرب منه الناس، يحاولون سرقة اسمه وتغيير معناه ليعطي الناس دون انتباه، احترامهم لهذا الإسم إلى محتوى آخر كريه يناسب السلطة.

    أصبح الحوار المتمدن الملجأ الدافئ ليس لكل الليبراليين الكارهين لكل ما هو يساري فقط، ولكن أيضاً لكل اليساريين الذين تعبوا من يساريتهم وبدأوا يبحثون عن تبرير أكثر “كرامة” من الإعتراف بهذا التعب (المشروع)، والطريق المتاح أمام هؤلاء هو الهجوم على اليسارية الحقيقية وكل ما له علاقة حقيقية بها، مع الإبقاء على الأجزاء والشعارات الهامشية أو المرنة التي لا تصطدم مع الرأسمالية المخيفة، للإيهام بأن من يسير تحت هذه الشعارات، يساري حقاً.

    مثل ذلك الموقف من الدين، والذي صار كأنه الشعار الوحيد للكثير من هؤلاء اليساريين السابقين "التائبين"، إضافة إلى الأهداف القليلة التي يشتركون فيها ولو شكلياً، مع الرأسمالية، مثل "تحرير المرأة" و الحريات الشخصية مثل حرية المأكل والمشرب والملابس ..الخ . وهي مراوغة تذكر بمراوغة رجال الدين الذين يختارون من الدين للتطيبق، ما لا يكلفهم مصالحهم، فلا يعودون يرون منكراً في الحياة سوى شرب الخمر! ولا بأس أن تستمر السرقة ويزداد التفاوت الإجتماعي بل وليزدد عدد العاهرات إن تطلبت مصلحتهم التغاضي عن ذلك. ومثلما تزداد لدى هؤلاء المراوغين من تجار الدين والمتدينين مظاهر العداء للخمر دون غيرها تطرفاً وحدة وشراسة، لكي تعوض عن إهمال هؤلاء لمبادئ الدين الأخرى، فأن اليسار الخانع الخائف والمخترق حتى الرأس، يراوغ ويناور ويتحجج ليتناسى كل ما يجعله يصطدم بالرأسمالية يتفرغ للهجوم على الدين (الإسلامي بالذات، الذي تهاجمه الرأسمالية اليوم - بالصدفة؟!) تفرغاً شبه تام، ويغازل ويتحالف مع كل ذيولها ويضع نفسه تحت مضلة السفلة الأكثر قرباً منها! وإن تجرأ نفر من اليسار ليقف مع مبادئه بشكل ما، فأن الف ضبع يخرج له من جحور مواقع الإنترنت المدسوسة التي تنشر إعلانات الموساد، ليردعه "عن غيه"، داعياً إياه للإستسلام  للرأسمالية والتركيز على محاربة الدين، ساخراً من "ممانعته" ومؤكداً له أن الإستعمار ليس مسؤولاً عن التخلف العربي وأن الأوان قد آن "لطي صفحة اليسار القديم بشعاراته وقياداته ، ولإعادة الاعتبار للقيم اليسارية "الحقيقية"!!..."(2)

    وتوظف هذه المواقع المتآمرين من اوسخ مهابط اليمين ليلبسوا لباس اليسار وينشرون ما كتبه لهم خبراء السي آي أي والموساد، ودون حتى أن يقرأه، من "تفنيدات" فارغة تسهم في دفع اليساري المتعب بعيداً عن مبادئه وتؤكد له أنها لم تكن سوى "خطأ كبير" وأن الزمن قد تجاوزها، مثلما هي كتابات طارق حجي في موقع الحوار المتمدن الذي يحظى فيه بموقع متميز! (3)

    ويكتب طارق حجي، إضافة إلى سيل من الكتب، حيث يطبع عدة كتب في نفس الوقت (!)، مقالات مطولة جداً ومليئة بالتفاصي، يستحيل لأي إنسان ان يكون قد كتبها، بل يصعب أن يكون قد قرأها. وتوحي المقالات وحجمها بأنها تحتوي على مادة حقيقية وتحليل، لكنك حين تراجع الأمثلة التي يطرحها للاعتراض على ماركس، كما في مقالته اعلاه مثلاً، تكتشف سطحية مثيرة للدهشة وقلة اطلاع (أو مراوغة) لا تنسجم مع حجم المقالة. وقد رددت على تلك المقالة سابقاً في مقالتي(4)

    لكن الرد اليساري على طروحات أمثال طارق حجي، ضعيف وقليل، وحين لا يقدم اليسار رداً يدافع به عن وجوده، تذهب الوقاحة في هذا الفريق المدفوع الثمن إلى حدود تعبر الخيال، فلا يتردد أن يطالب اليسار ليس فقط بقبول الرأسمالية ومظالمها، بل بضرورة أن يسارع اليسار ذاته إلى الدفاع عنها أيضاً والسعي لإنقاذها من أزماتها بكل ما يستطيع، مدعياً أن ذلك من أجل مصلحة الشعوب ذاتها! (5)

    إن هذا الحال يسهم في تصوير اليسار بأنه خاسر ومعترف بخلله، ويبعد الناس عنه، ويترك الساحة لما نسميه "اليسار التائب".

    اليسار التائب يدعي أنه "ينتقد" من أجل "تجديد" اليسار وتطويره، وهذه ثيمة هذا اليسار في العراق ومختلف الدول العربية وربما في العالم لكننا لا نريد اتهام كل ناقد لليسار بأنه مدفوع يهدف إلى تحطيمه، فكيف نميز الناقد الحقيقي الهادف إلى التطوير، عن "اليسار التائب" والضباع المدفوعة الثمن؟

    ليس الأمر صعباً، فعندما "تنتقد من أجل التطوير" فأن هذا يعني أنك مازلت تؤمن بصحة المنطلق بالخط العريض، وترى نفسك منتمياً إليه، إلا أنك تمتلك ملاحظات معينة تود تطويرها فيه. وهذا يعني أنك ترى الصحيح فيه أكثر من الخطأ، وأن عواطفك معه، وهذا يعني أنك ستكتب في امتداحه والدفاع عنه أكثر مما ستكتب في انتقاده! لكننا لو راجعنا ما يكتب امثال "محمد علي مقلد" من نقد(6) فلن نجد ما يقابلها من مديح متوقع ودفاع، بل أني لا أذكر أن طارق حجي قد كتب كلمة دفاع واحدة عن اليسار الذي يدعي الإنتماء إليه والإيمان به والسعي لتطويره، فكيف يبقى المرء منتمياُ إلى اتجاه لم يعد يجد فيه ما يمتدحه؟ إن تلك الإدعاءات ليست إذن سوى أكاذيب مفضوحة وأقنعة كاذبة يلبسها اعداء مدفوعي الثمن، الغرض منها النيل من اليسار وتحطيمه وليس تطويره أبداً!

    تعريفنا لليسار

    حتى هذا الدعي إلى انقاذ الرأسمالية، يكتب باسم اليسار، فكيف نميز اليساري إذن في هذه الغابة من رادارات التشويش؟ طرح أحد الأصدقاء مرة هذا السؤال، وعن الطريقة الأمثل والأبسط لتحديد اليساري، فكان جوابي: إن كان يتحدث عن تحديد الحد الأدنى للأجور ورفعه، وعن التقاعد والتعليم المجاني والرعاية الصحية المجانية، فهو يساري، وإن كان يكثر الحديث عن الإستثمار والخصخصة و "الإصلاح" الإقتصادي، فهو يميني، مهما كان موقفه من الأمور الأخرى.

    أي أن اليساري هو من يهتم حقاً بمصالح المجتمع، أما اليميني فيهتم بمصالح الأثرياء (دون ان يعترف بذلك صراحةً) ويعطيها الأولوية على حساب المجتمع، آملاً أن يؤمن من خلال ذلك مصالحه الشخصية (مرة أخرى: دون أن يعترف بذلك). إنه يريد تهيئة البيئة الإجتماعية المناسبة لإنتعاشه الشخصي ويرى في ترويج مبادئ حرية المنافسة فرصته لتجميع الثروات والسعادة، وهو مستعد أن يغمض عينه من أجل ذلك، عن آلام الأخرين في المجتمع الذي يعيش فيه، ويتهرب منها بحجج مختلفة معدة مسبقاً من قبل من تم تكليفهم بهذه المهمة من اقتصاديين وفلاسفة وكتاب وإعلاميين. فمنذ أيام آدم سميث، كانت الشركات المختلفة تؤجر "الإقتصاديين" ليروجوا في المجتمع ما هو في صالحها، فترى هذا يروج لحرية السوق والآخر للحماية وهكذا. ولم يتغير الأمر كثيراً منذ قرون، ولذلك فأن التراث الإقتصادي البشري اليوم يتكون في معظمه من مجموعة من الأحاييل والخدع اللفظية، التي تسعى إلى إقناع المجتمع أن صالحه هو صالح لصوصه الأثرياء.(7)

    هل حقاً ان اليساري يجب أن يعتبر الدين والمتدينين (الإسلاميين بالذات) العدو المباشر له، وأن هناك طريقاً للتصالح مع الرأسمالية؟ إن المراقبة الدقيقة للتاريخ ترينا أن الدين، رغم تناقضه أحياناً مع اليسار، إلا أنه يسير في بعد مختلف عنه وليس نقيضاً له، وأن في الدين يسار ويمين كما في المجتمع المدني. لنأخذ مثالاً من الإسلام والمسيحية على ذلك.

    اليسار واليمين في الدين والعلمانية

    في كتابه "اليمين واليسار في الإسلام"(8) يذكر الأستاذ عباس أحمد صالح : "اليسار الذي نقصده في الإسلام هو الذي يتجه إلى رفع الجور عن الفقراء والمستضعفين والمساواة بين أبناء المجتمع الواحد في الحقوق والواجبات، أي باختصار هو النزعة الإشتراكية في الإسلام". وينبه أن "الذين وقفوا بعداء أشد من الدعوة الإسلامية هم الأغنياء" وأن جوهر الإسلام اشتراكي..."الإسلام ثورة إنسانية شاملة على المظالم الإجتماعية وحقوق الملكية المقدسة واستبداد الطبقات القوية"، منبهاً إلى أن "القرآن حرم الأعمال المصرفية". ويذكر الأستاذ صالح العديد من رجال "اليسار الإسلامي" في التاريخ، مثل الإمام علي، كما أعتبر عمراً وأبا بكر ذوي نزعة إشتراكية، بسبب دفاعهم عن حقوق الفقراء، رغم انتمائهما السابق إلى الموسرين قبل الإسلام. وبالمقابل فهناك المثال الواضح في معاوية من الذين ينسبهم المؤلف إلى اليمين، والذي يمثل النزعة الأنانية الفردية التي يصعب أن نميز فيها الشرف الإجتماعي الذي نجده في اليسار.

    ولا نحتاج في المسيحية إلى العودة كثيراً في التاريخ لتبيان يمينها من يسارها. فيمكننا بسهولة تامة أن نميز الشرف اليساري في القس البرازيلي كامارا الذي قال قولته المشهورة: "عندما أعطي الفقراء الطعام، يسمونني قديساً، وعندما أسأل: لماذا هم فقراء؟ يسمونني شيوعياً"(9)

    ولد كامارا، قس أحياء الصفيح في ريو دي جانيرو، عام 1909 وتوفى عام 1999، ولم يكن شيوعياً ولا حتى يسارياً ثورياً، بل أنه أدان كل من اليمين واليسار للجوئهما إلى العنف، لكنه وقف إلى جانب الفقراء وضد الظلم وكان هذا الموقف الإنساني الشريف كافياً لأعدائه لكي يروا فيه تلك "اليسارية" التي تسعى إلى حل مشكلة الفقراء بشكل جذري، وليس بالصدقات، والتي أسموها "شيوعية"..رغم أنه كان مسيحياً عميق الإيمان بالله. وقد أسهم في دفع الكنيسة الكاثوليكية في أميركا الجنوبية إلى اتخاذ جانب الفقراء، وقتل نتيجة لذلك عدد كبير من القساوسة على ايدي الدكتاتوريات التي تخرجت من "مدرسة الأمريكان" الأمريكية، ودعمت من قبل الحكومات الأمريكية، وبشكل خاص حكومة ريكان. وفي الطرف المقابل كانت الكنيسة الكاثوليكية في روما، والتي كانت طيلة تاريخها تسبح في الثراء "اليميني"، تتآمر على قساوسة فرعها في أميركا الجنوبية مع أشد الوحوش قساوة، رغم أن الجانبين ينتميان إلى إيمان واحد، أو هكذا يدعيان.

    وبالطبع فإننا نجد ذلك الشرف اليساري الإجتماعي في اليسار الكلاسيكي العلماني، وصراعه من أجل تحديد ساعات العمل والحد الأدنى للأجور للناس، كما كتبت في مقالتي التي نشرتها قبل عامين: “الصراع من أجل 8 ساعات” (10)، وجاء فيها: "اليوم لدينا قوانين تحدد عدد ساعات العمل، والحد الأدنى للأجور، لكن هذه لم تأت من نفسها، بل من خلال صراع مرير طويل مليء بالمآسي لمن رفض الإستغلال البشع وضحى من أجل ذلك. ولعلكم لا تعلمون أن قوانين العمل الأولى لم تكن قد وضعت حداً أدنى للأجور، وإنما "حد أعلى" لها!! فلم يكن مسموح حتى لصاحب العمل أن يعطي العامل أجراً عالياً خوفاً من أن يؤثر ذلك على بقية العمال في المصانع الأخرى. والغريب أنه في حالة مخالفة ذلك القانون فأن العقوبة الأشد كانت تقع على العامل الذي قبل بأجر أعلى من أجره المحدد! ....واليوم تهتز الشوارع مرة أخرى تحت أقدام المحتجين على ما اوصلت الرأسمالية العالم إليه من فوضى وفوارق هائلة في المال وحروب مدمرة لا نهاية لها، لأنها جزء من منظومة الرأسمالية الإقتصادية."

    وكذلك يمكننا أن نرى ذلك الشرف واضحاً في معاني كلمات أغاني مغني البيتلز الراحل جون لينون، الذي تم اغتياله في الثمانينات في أميركا، لمواقفه اليسارية التي ازعجت الوحوش اليمينية" (6) ، مثل أغنيته "بطل الطبقة العاملة" الرافضة للإنتماء للوحشية، والتي تقول.(11)

    “هناك فسحة في القمة” يقولون لك

    لكن إن أردت أن تكون مع الذين على التل

    فعليك أن تتعلم الإبتسام وأنت ترتكب القتل"

    هذا الشرف الإجتماعي الذي لم نعد نجده في بعض اليسار الذي تخلى عن مبادئه وصار يبحث عن ترضية للرأسمال، يمكننا أن نجده واضحاً لدى رجل دين "متعصب" في إيمانه. فاستناداً إلى تعريفي لليسار أعلاه، فقد كتبت في مقالتي " وداعاً أيها اليساري نجاد – 1- صديق شعبه"(12)

    "وعلى هذا فإنني أنصب أحمدي نجاد بكل اعتزاز كقائد يساري بامتياز! ". فنجاد الذي حافظ على صدقه ومبدئيته وإنسانيته وبساطته حين صار رئيساً لإيران، كما يشرح هذا الفلم بعض تاريخ الرجل، (13)يحمل بلا شك "شرف" اليسار بوضوح. فقد وضع الرئيس نجاد على الطاولة جرداً بممتلكاته عند استلامه الرئاسة وكانت عبارة عن بيت صغير في أحد أحياء طهران الفقيرة (14) وسيارة بيجو موديل 1977(15) والتي باعها فيما بعد وتبرع بمبلغها لأعمال خيرية. وبقي نجاد بعد استلامه الرئاسة يعيش في منزله الصغير، وإشترط على كل وزير يتعين لديه أن يقدم كشفاً بممتلكاته، وأن لا يخرج من الوزارة أغنى مما دخلها!

    ويكتب الصحفي البريطاني “فسك” أن نجاد قدم سلسلة قوانين لدعم الفقراء والعمال شملت مخصصات تقاعد حتى للنساء اللواتي كن يحكن السجاد في بيوتهم في القرى النائية!

    وبالمقابل فقد حارب النظام اليميني الفاسد الذي ورثه من تجار البازار الذين حكموا إيران قبله في ولايات رفسنجاني وخاتمي (وعادوا في ولاية روحاني)، ووجه سهامه المدافعة عن حقوق الفقراء في ثروات بلادهم، إلى النظام المصرفي ونظام الضرائب وغيرها، وحارب من أجل دعم المواد الأساسية من وقود وماء وغذاء وكهرباء مثيراً غضب صندوق النقد الدولي ومريديه من تجار إيران، والذي كان قد هلل لسياسة خاتمي المتجهة إلى اقتصاد السوق (16)

    وتلقى نجاد من شعبه من الحب ما لا يلقاه إلا اليساريون من أمثاله فهاهي إمرأة كبيرة السن تؤكد له أنها تحبه أكثر من نفسها، وأنها كانت معه (في قلبها) في كل محافظة قام بزيارتها، وقالت له أنها تدعي له بالموفقية في كل صلاة لها لأنه كان ينفذ وعوده للفقراء،" ......قالت له: "في خطبة لك في السنة الماضية قلت أنك تشعر أنك وحيد...أقسم بـ "علي" إنني لم أنم تلك الليلة!: قلت يا إلهي هل متُّ أنا ليشعر أنه وحيد؟ ".. "أنا موجودة، وسأقتل نفسي لأجمع الناس حولك، وبقدرة الله سوف أراك تنجح" (17)

    هل يمكن ليميني أن يحلم بمثل هذا التقدير؟ إنهم لا يهتمون بذلك على أية حال.

    وفي ‫كلمة أحمدي نجاد للجمعية العامة للأمم المتحدة(18) تحدث عن ما يقف بين الإنسان وبين طموحاته نحو حياة أفضل، والفجوة بين الأغنياء والفقراء والإقتصاد الإستهلاكي والديون والفقر وانتهاك البشرية وتحطيم آمالها، والإستخدام التبديدي لثروات الأرض، ودعى المجتمع إلى تخيل عالم افضل خال من تلك المنغصات وكيف ستكون الحياة سعيدة. وكذلك استغلال المرأة وتحطيم العلاقات العائلية ونشر المعايير المزدوجة والحروب، والرأسمالية التي خربت البيئة البشرية ووصلت إلى طريق مسدود. قال أن البعض يحاول أن يصور هذه الأوضاع الشاذة على انها طبيعية ويلقي بمسؤوليتها على الإرادة الإلهية وعلى الشعوب، لكن الشعوب ليس لديها مشاكل مع بعضها البعض. وقال أن البشر لا يستحق مثل هذا الوضع، وأن الله لا يرضى بذلك. وأخيراً تحدث عن عودة المهدي المنتظر إلى جانب المسيح لينشر العدالة والمحبة والحرية بين أبناء البشر.

    وقد رد باراك على هذا الخطاب بوصفه "الخطاب المجنون"، (19) فمن منهما المجنون من وجهة النظر الإنسانية ومن العاقل؟ من منهما "الشريف" الذي يمكننا أن نفخر به كبشر، ومن هو "المنحط" الذي نخجل منه؟

    اليساريون أخوة متشابهون

    ما أشبه قلب نجاد وهو يدعو المجتمع إلى "تخيل عالم أفضل، خال من المنغصات وكيف ستكون الحياة سعيدة"، لو تخلص من نير الرأسمالية، بقلب جون لينون وهو يغني:

    تخيل...عالم بلا ممتلكات

    أتراك تستطيع ذلك؟

    عالم خال من الجشع والجوع

    عالم اخوة البشر

    تخيل ان جميع الناس...

    تشترك في جميع العالم...(20)

    يمكننا أن نلاحظ الشبه الذي يجمعهما رغم الفوارق الكثيرة بينهما، ورغم أن نجاد سيرفض إلحاد لينون ورأيه بالدين، ويرفض الأخير معتقدات نجاد الدينية، فهو شبه لا تخطئه العين، وهو خيط "الشرف اليساري" الإثري، الذي يركز على الآخرين وعلى العدالة، وعلى الإستعداد للتضحية من أجله، والذي تشترك فيه أرقى ما أنتجت البشرية من نماذج خلوقة! أليس من السخرية ان يخجل جيفارا أمام جورج بوش مثلا؟؟

    على اليسار إذن، أن لا يتردد في الدفاع عن مبادئه التي تستحق ان يفتخر المرء بها، بوجه الضباع التي تسعى لتشويهها، وأن يكون اليساريون ممثلين نجباء لها قدرما يستطيعون، لعلهم يستحقون لقب تمثيلها ووسام الشرف الذي تعلقه على صدورهم، ففي السياسة شرف واحد هو أن تكون يسارياً- لا مجاملة في ذلك! كذلك عليهم أن يتعلموا التعرف على بعضهم البعض، ومن خلال خيط الشرف الإجتماعي التضحوي المميز لهم، سواء كانوا مؤمنين ملتزمين أو علمانيين او ملحدين، مسيحيين أو مسلمين أو يهود أو في أية ديانة أخرى، ومهما كانت قوميتهم وانتماءاتهم الأخرى. على اليساري أن لا يخجل من أن يرى أن الإسلامي أحمدي نجاد أكثر يسارية من معظم قيادات الأحزاب الشيوعية العربية، وأن يعلن رأيه بذلك صراحة. وعليه أن يميز أيضاً اليسار الكاذب والتائب المتحجج بالنقد والتطوير، والذي يكشف نفسه بالإمتناع عن أي امتداح لليسار الذي يدعي الإنتماء إليه أوالدفاع عنه، ويكتفي بـ "جلده" بالنقد دائماً. وأخيراً على اليساريين أن يختاروا أصدقاءهم وأعداءهم، وأن لا يتركوا للإعلام الشبوه أن يحدد أولوياتهم وأهدافهم ومعاركهم وأن يفعلوا ذلك بأنفسهم، وعلى هذا الأساس قبل غيره.

    في الجزء الثاني من المقالة سنتحدث عن "ثمن الشرف" الذي توجب ويتوجب على شرفاء اليسار دفعه..

    (1)  إكرام يوسف - احذروا.. إنهم يحرفون البوصلة! مسميات ثورية بنكهة المارينز: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=167277

    (2) محمد علي مقلد - اليسار الممانعاتي

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?ecom=1&aid=376099#492535

    (3) طارق حجي : من المؤلفات الأولي : الإقتصاد الماركسي

    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=167950

    (4) صائب خليل: رد على انتقادات طارق حجي لماركس

    http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/13haji.htm

    (5) شريف حتاتة: اليسار وإنقاذ الرأسمالية

    http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2009/2/28/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%95%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D9%94%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9.html

    (6) محمد علي مقلد - من هو اليساري؟
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=333482

    (7) صائب خليل - فائض القيمة يطارد اقتصاد الإحتيال
    http://saieb.blogspot.com/2014/08/blog-post_10.html

    (8)  اليمين واليسار في الإسلام

    http://www.ao-academy.org/docs/al%20yameen%20wal%20yasar%20fee%20al%20islam%20by%20ahmad%20abbas%20salih%200603009.pdf

    (9) `Bishop of the slums' -- Dom Hélder Camara and Brazil's church of the poor

    http://links.org.au/node/1151

    (10) صائب خليل: الصراع من أجل 8 ساعات

    http://al-nnas.com/ARTICLE/SKHalil/we32.pdf

    (11) Working Class Hero - John Lennon

    http://www.youtube.com/watch?v=cFdVhDdDK9A

    (12) صائب خليل: اليساري نجاد وداعاً 1- صديق شعبه
    http://almothaqaf.com/index.php/qadaya/75833.html

    (13) من هو الدكتور أحمدي نجاد؟

    {youtube}XM-7PthdXYs{/youtube}

    ‫(14) بيت احمدي نجاد

    {youtube}CCxWNxg4yCk{/youtube}

    (15) سيارة أحمدي نجاد البيجو 504 موديل 77

    {youtube}LpSCQsduyRo{/youtube}

    (16) Selling Iran: Ahmadinejad, Privatization and a Bus Driver Who Said No
    http://socialistwebzine.blogspot.be/2009/07/selling-iran-ahmadinejad-privatization.html

    (17) المرأة التي أبكت نجاد

    http://www.youtube.com/watch?feature=player_detailpage&v=XM-7PthdXYs#t=493s

    (18)  خطاب الرئيس أحمدي نجاد في الأمم المتحدة 26-09-2012‎
    {youtube}N5qqigW6nG0{/youtube}

    (19)  باراك يرد على خطاب نجاد

    {youtube}aySgU2xPbFw{/youtube}

    (20) اغنية جون لينون: "تخيل"

     {youtube}f18iq21EamE{/youtube}

  • سأنفض يدي من القيادة السورية… تعالوا نناقش الأمر بهدوء

    لا يرقى ليقين القراء الأفاضل شك، بأننا نتابع كل تعليقاتهم، ونأخذها بقدرها مأخذ الجد، طمعا في تصحيح وجهة نظر أوتصويب رأي، أوحتى نفي معلومة وإن كنا استوثقنا من صحتها، كما لا يخفى عليهم أننا هنا لسنا في برنامج ما  يطلبه المستمعون، ولا نكتب بالضرورة ما يحب الكاتب نفسه أن يخطه فضلا عما يحب القارئ أن يُكتب، الكلمة أمانة في عنق صاحبها، والإعلام مسؤولية لا يقل خطرها عن مسؤولية حمل السلاح، فإن كان الأخير يستهدف حياة شخص أومجموعة أشخاص، فالأولى أحيانا كثيرة تكون الممهد لتلكم التصفية، وسببا مباشرا في تجريف عقول جيل بأكمله، حتى لا نقول إعدام الحقيقة التي هي مدار فلك حياة العقل البشري. وأعلم كما يعلم غيري بأن أي كاتب أومفكر يدّعي ملك كل الحقيقة، هوزعم باطل ودجل بعينه، وعقيدة فاسدة لا يصح أصلا البناء عليها.
    حين يعلن الكاتب دعمه للدولة السورية، فمن المعيب حقا ترجمة ذلك بدعمه للقيادة السورية حصرا، أوالنظام اجتزاء أوالجيش العربي السوري استثناء، فمصطلح الدولة لا يعني أيا من هذه منفردة، بل يعني كل الكيان السوري، من جغرافيا وتاريخ وحاضر ومستقبل وشعب ومقدرات وثروات وغيرها، واختزال مفردة “الدولة” في جزء فقط مما سبق ذكره، هوليًّ لعنق العبارة، ومحاولة تعيسة لقلب المعنى المراد من الكاتب، وفق ما يريده المنتقد لا الناقد. هنا لست أبرر موقفي من الأزمة السورية لأحد، بل يكفي أن يكون ضميري مطمئنا لرده عن السؤال يوم لا ينفع مال ولا بنون.
    تعالوا نناقش الأمر بهدوء، واسلم لبعض القراء وأنفض يدي من القيادة السورية، فما هوالمشهد القائم عيانا الآن في هذا البلد العربي؟ أليس هناك ثلاث مربعات في سورية الآن؟ الأول تحت سلطة القيادة السورية، والثاني يقوم فيه صراع مسلح بينها وبين الجماعات المسلحة ولنسميهم الثوار من المدنيين السوريين ولا يد أجنبية في أمرهم، والمربع الثالث والأخير هي المساحة التي بسطت عليها المعارضة ( نترك التعريف داعش والنصرة والجيش الحر وألف فصيل جانبا) سلطتها، وباتت جغرافيتها وسكانها ومنشآتها وثرواتها تحت مسؤولياتها.  هل هناك مربع آخر؟.
    الإعلام الدولي عموما والعربي منه على وجه أخص، لا يخرج قيد أنملة من المربع الثاني، إلا حين يفرض حدث ما نفسه على الواقع، من خلال إعلام المعارضة (الجماعات المسلحة) عن نشاطها عبر مواقعها طبعا، هنا يضطر إعلامنا العربي لتناولها بشكل مقتضب؛ صحيح أن مربع الصراع يقتضي التغطية الإعلامية، لكن الأصح كذلك أنه يستحيل الاتفاق بخصوص صحة معلوماته، ذلك أن طبيعة الصراع تقتضي تجيير المعلومة وتوظيفها لصالح أطراف الصراع كلهم، وهنا مكمن المغالطة الخطر على المواطن العربي، الذي يتابع بألم وحسرة ما يجري في سورية؛ وشخصيا لا أريد الوقوع في هذه المصيدة، التي كما قلت يستحيل معها تمييز الظالم من المظلوم، والحال أن بعض ما ينقل يفيد بأن الدم قد بلغ الركب. فكما تتهم المعارضةُ المسلحة القيادة السورية بارتكاب مجازر، فالعكس كذلك قائم، ولكل منهما أدلته وصوره وشهوده.
    لنخرج من المربع الثاني هذا، دون أن نقف إلى جانب أي من طرفي الصراع، أليس حريا بمن يبحث عن الحقيقة أن ينظر في المربعين الآخرين؟ تعالوا إذن إلى ساحة المربع الثالث حيث تبسط المعارضة (المسلحة) سلطتها، ولا نعتمد هنا تقارير السلطة السورية، بل تلكم التقارير الإعلامية والأمنية الصادرة عن جهات تدعم تلكم المعارضة، بل وننظر ما تنشره المعارضة المسلحة ذاتها على مواقعها الالكترونية، ماذا نجد بكل أمانة وموضوعية؟.
    المربع الثالث هذا بات تحت سيطرة المعارضة، بل وامتد من الرقة إلى الموصل بالعراق، وهلل لهذا النصر المبين كبار العلماء وقادة سياسيون عرب، واستقرت الأمر لسلطة المعارضة (المسلحة)، فأي صور تنقلها مواقعها الالكترونية ووسائل الإعلام العربية الداعمة لها؟ هل رأينا مثلا شق الطرقات وبناء المدارس والجامعات فضلا عن المؤسسات الخدمية من مستشفيات ومصانع وغيرها؟ هل تعرض على مناصريها بناء السكنات للفارّين من بطش وجبروت القيادة السورية؟ هل قدمت لنا مؤسسات القضاء والعدالة وما يتبعها من مرافق، وهي تدير شؤون الناس بكل عدل وإنصاف؟ هل وقفنا فيها على حرية التعبير والإعلام  وطرح مختلف الآراء؟ هل قدمت بين أيدي العالم صورة على التعايش المشترك وعدم التمييز ألاثني والعرقي والطائفي؟ أذكّر أننا نطرح هذه الأسئلة حول منطقة تقع تحت السلطة الفعلية للمعارضة السورية؛ الشيء الذي لا يمكن لأحد إنكاره إلا مكابرة، أيا كان موقفه من الأزمة السورية، أن المعارضة السورية ما تركت شيئا كان في الأصل قائما إلا هدمته، وعمليات الذبح والتصفيات الجماعية هي تفاخر بها وتعتز بانجازها، والتمييز الطائفي والعرقي والديني تصرح به جهارا دون إنكار ولا تخفي، ونهب الثروات وفرض الإتاوات والضرائب والجزية أمر مشهر علنا، وسوق  الجواري قائم على ملأ من الناس، فضلا عن عمليات الاغتصاب والاختطاف ومقايضة الدول وأهل المختطفين وابتزاز الأموال؛ بصراحة وأمانة وصدق مع الذات: أي صور تقدمها المعارضة السورية في مواقعها الالكترونية هي نفسها؟ وحين تتعرض لأعمالها الفضائيات العربية الداعمة لها أي إنجاز ترون تحديدا؟. حين قال الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد هناك عناصر إرهابية ركبت موجة مطالب الناس، كُذّب وقيل حينها لا أصل لهذا الادعاء، وبعد فترة حذر من الدعم لهذه العناصر لعلمه بأنها تصبح قوة تهدد المنطقة، أنكروا الدعم واتهموه هوبصناعة هذه المجموعات، أين نحن الآن؟ من يعتبر هذه المعارضة خطرا على الأمن الإقليمي والدولي؟ من تبيّن للعالم أنه صنعها ودعمها (مذكرات هيلاري كلينتون مثلا وغيرها كثير)؟ ثم حين تختطف مواطنا غربيا من يتوسط عندها لفك أسره؟ أليس من له يد فضل عليها؟.
    إذا تنازل كل منا لصاحبه وخرجنا من المربع الثاني، أي مربع الصراع، وأردنا أن نعرف أي الطرفين أصلح لإدارة شؤون الناس، ويعي جيدا حجم مسؤولية الدولة السورية، فعلينا أن نقارن بين المربع الثالث وفق ما يعرضه أصحابه أنفسهم ( المعارضة )، وبين المربع الأول، الذي اخترت عن وعي ومسؤولية الوقوف على واقعه بنفسي، والذي قرأه البعض دعما للقيادة السورية، ولم يسعه فهم المراد به عجزا منه أوقصدا؛ المربع الأول والذي يعني الجغرافيا التي تبسط عليها السلطة السورية يدها، يغيب عن المشهد الإعلامي العربي حتى لا يتأتى للمواطن العربي المقارنة بين الحالتين، ويسعى مجتهدا لسجنه في المربع الثاني بكل تفاصيله الدرامية، حتى وإن اقتضى الأمر لدى القائمين عليه لصناعة حدث ما، أوتضخيم حالة صدام ما؛ ذلك أنه معروف بأضدادها تميز الأشياء.إن الأمر المعاين والمشاهد هوأن المعارضة هدمت وخربت كل ما أنجزته القيادة السورية قبل 2012، وفي المقابل قامت الأخيرة حيث تبسط سلطتها، على بناء مزيد من المشاريع وتحقيق كثير من الانجازات. هذه هي الحقيقة التي لا يراد ظهورها.
    أخيرا، تعالوا نتكلم بصراحة ووضوح، ونتأمل بوعي جدي وعميق، الأطراف العربية التي تدعم الحركة المسلحة في سورية، أليست هي بعينها التي دعمت ما أسمته التغيير في ليبيا، تحت نفس الشعارات التي ترفعها لدعم المعارضة السورية؟ أين ليبيا الآن بعد أربع سنوات؟ ماذا قدمت تلكم الأنظمة العربية للشعب الليبي بعد اغتيال معمر ألقذافي؟ أين إعلامهم من الجرائم التي يتعرض لها المواطنون هناك؟ أليس أصدقاء الشعب الليبي هم أنفسهم أصدقاء الشعب السوري؟ إن الأخبار التي تصلنا من مواطنين ليبيين ليندى لها جبين الحياء خجلا، خاصة ما تعلق منها بالاغتصاب الجماعي والسبي، ما يظهر من مأساة ليبيا اليوم ليس إلا رأس جبل الجليد، فضلا عن القتل الجماعي والتمزيق الجغرافي ونهب ثروات البلد لصالح عصابات شريكة لأصدقاء الشعب الليبي.
    إن المؤمن لا يلدغ من جحر واحد مرتين، ومن ذات الدول لُدغت الأمة في الجزائر وليبيا والعراق قبلهما، واليوم في سورية، ومن يطالب الكاتب بأن يتمنى للشعب السوري أن يكون على حالة الشعب الليبي، تكلف ما لا يمكن بلوغ مرامه، وتقحم عقبة كأداء لا حيلة له معها، وكشف من جانبه عن جهل أوغفلة حتى لا أقول عداء للأمة عامة، وللشعب السوري والليبي خاصة، هذه هي النتيجة الواقعية حتى وإن نفض الكاتب يده من القيادة في سورية.
    الفلاح الجزائري من قلب دمشق

  • الحلم الأمريكي أو الكابوس الأمريكي؟

    في أحد مواضيعي السابقة كتبت وحذرت من الشركات الإحتكارية العابرة للقارات مثل ماكدونالدز و وول مارت و كنتاكي وقمت بالرد على من يزعمون أن تلك الشركات تقوم بخلق وظائف وفرص عمل وتساهم في حل مشكلة البطالة. الأن في أمريكا هناك مظاهرات بطول وعرض أمريكا ودعوات للعصيان المدني ومقاطعة تلك الشركات وسلاسل المطاعم المشهورة التي تبتز العاملين وتسرق جهودهم وتعبهم فأجور بعض العاملين في المطاعم قد لا تتعدى ٣ دولار للساعة وذالك في قانون فيدرالي لم يتغير منذ سنة ١٩٩٠ تقريبا بضغط من نقابة أصحاب المطاعم. ووما يزيد الطين بلة أن المحكمة العليا الأمريكية قد سنت سابقة قانونية بعدم إلزاميات دفع الرسوم النقابية من قبل أعضاء النقابات التي تضم العاملين في المطاعم وشركات وجبات الأغذية السريعة مما يضعف تلك النقابات ويحول دون أدائها واجباتها.

    إن مانسبته ٤٠% من العاملين في المطاعم وشركات وجبات الأكلات السريعة وسلاسل محلات البيع بالتجزئة مثل وول مارت يعانون من الفقر والفاقة ويعتمدون لإكمال معيشتهم على كوبونات الطعام التي تصرفها لهم الحكومة وعلى مساعدات حكومية والكارثة أن موظفي محلات وول مارت يصرفون تلك الكوبونات من محلات وول مارت نفسها التي تحقق أرباحا خيالية من عرق وجهد مئات الألاف من الموظفين الذين تبقيهم عن سابق إصرار في ظروف من الفقر والفاقة وذالك على حساب دافع الضرائب.

    تخيلوا أنه في سنة ٢٠١٢ كانت حصيلة عمليات السرقة والسطو المسلح في طول أمريكا وعرضها ١٣٩ مليون دولار بينما كانت حصيلة القضايا التي حسمتها الهيئات التابعة لوزارة العمل الأمريكية حصيلة الأجور التي يسرقها أصحاب المطاعم ومحلات الوجبات السريعة من عمالهم.....تخيلوا ٢٨٠ مليون دولار للسنة نفسها. إذا يا سادة يا كرام من هو اللص؟

    وقد تستغربون وتظنون أن تلك الإحتجاجات غير عادلة وأن أصحاب محلات وول مارت للبيع بالتجزئة أو المطاعم أو محلات الوجبات السريعة يخسرون أموالا أو أنهم لا يحققون أرباحا مجزية..أنتم مخطئون. محلات وول مارت تحقق الأرباح بعشرات المليارات وأعمال المطاعم ومحلات تقديم الوجبات السريعة قد نما ٣٠% خلال العشرين سنة السابقة.

    فعلا أمريكا بلد العجائب فعندما نهب بضعة مواطنين أمريكيين من السود الغاضبين بعض المحلات, قامت الوسائل الإعلامية الأمريكية بإطلاق أشنع الألقاب عليهم بينما يتم تكريم لصوص وول ستريت الذين يسرقون مئات المليارات وهم في نظر الإعلام الأمريكي المنحاز أبطال وعباقرة ويعملون بجد لبناء إقتصاد أمريكا.

    بعد أن قرأتم ذالك الموضوع القصير وهو على فكرة نقطة في بحر إذا ماقررت الكتابة في مثل تلك النوعية من المواضيع...هل مازال أحدكم يحلم بقيزا للجنة الأمريكية لكي يعيش الحلم الأمريكي؟

  • فرانسوا أولاند الطوشة .. ومناقصة الارهاب والكباب

    لاأدري لماذا يذكرني الرئيس الفرنسي بالشخصية الكوميدية السورية الأشهر "غوار الطوشة" .. ربما لقصر قامته ومحاولته الوقوف كأنه ذو قامة مرتفعة .. كما أن حركاته والتفاتاته السريعة الكوميدية التي تبدو غير صادرة عن شخصية مرموقة متزنة توحي أنه ليس الرجل المناسب في المكان المناسب بل كاراكوز مناسب في المكان المناسب .. وأحس أن الرجل يحاول جهده ليبدو ذا هيبة وسطوة في المسرح الدولي عملا بنصيحة نيقولاي ماكيافيللي القديمة الذي وجد كتابه "الأمير" في عربة نابوليون بونابرت بعدما تركها مهزوما في معركة ووترلو الشهيرة .. فوصية ميكيافيللي للأمير كانت أن "الهيبة أساس من أساسيات الحكم" 

    ولاأدري لماذا كلما ظهر "الأمير" فرانسوا على التلفزيون أتوقف عن مواصلة أي شيء ان كان عملا أو حديثا أو طعاما أو غضبا ولاأفوت متابعته لدقائق وكأنني أتابع مشهدا كوميديا لـ "غوار الطوشة" وهو يتحاور مع ابطال "حارة كل مين ايدو الو" وليس للأمير الفرنسي فرانسوا أولاند

    سبحان الله .. هذا الرجل كأنما خلقه الله للترفيه عن نفسي في زحمة الأخبار الداعشية التي تبدأ بذبح وتنتهي بذبح بعد ان تمر بمجزرة أو مجزرتين في اليوم الواحد وبمجموعة من جرائم الرجم والصلب والسبي .. ولكن ظهور أولاند الطوشة أنقذني من عبوسي مرات عديدة وجعلني انسى همومي وهو يحاول أن يجلس بضآلته على كرسي شارل ديغول الكبير .. أو يجهد في اقناعنا أنه من سلالة نابوليون العائد لاستكمال فتح عكا وسورية (التي صده عنها واليها أحمد باشا الجزار) وان كان لا يرتدي قبعة نابوليون الشهيرة .. وأحيانا يريد ان يوحي بنظراته الاستعلائية الصناعية ان مايجري في عروقه هي دماء ملوك فرنسا الذين سقطت رؤوسهم في سلال المقاصل عندما كان للفرنسيين "دواعشهم" ومحاكمهم الثوريةلاشك انه رغم استظرافي له أنني أعتبره أتفه رئيس فرنسي على الاطلاق .. ولكنه أخفهم ظلا بالقياس الى ثقل دم ساركوزي المخمور .. وعصبية مزاج شيراك الذي كان صبره نافذا مثل أردوغان دوما (حتى يكاد أن يكون لقبه أردوغان الفرنسي) .. وكذلك قياسا الى تجهم ميتران وصلفه .. ولاأدري لماذا أحس أنه في جذوره ايطالية وليست فرنسية

    غوار الطوشة الفرنسي (أولاند) قال بفهلوية منذ أيام انه "يريد القضاء على داعش بزيادة دعم المجموعات السورية المعارضة" .. وبالطبع دون التعاون مع الحكومة السورية وكأنها غير موجودة .. أي أن داعش التي كان نصفها جبهة نصرة وجيشا حرا يوما ما سيحاربها الأمير أولاند بحقن المزيد من السلاح والمال والدعم للمسلحين السوريين في الجيش الحر والنصرة .. ولم يتعلم من التجربة السابقة أن المزيد من السلاح الى سورية سينتهي الى داعش والقاعدة وأن من يفوز في الصراع هو الفكر ذاته لأن هذه التنظيمات تحكمها قاعدة الأواني المستطرقة سواء بالفكر أو بالسلاح .. فسكب السلاح في جانب سيصل الى الجانب الآخر حتما سواء بالتهريب أو بالبيع أو بالاستيلاء أو بالانشقاق .. وأنه لولا الدعم اللامحدود للثورة السورية وتنظيم الاخوان المسلمين بالسلاح والخبرات والغطاء الاعلامي لما ظهرت جبهة النصرة .. ولما انتقلت مجموعات النصرة والاخوان المسلمين لتقوي من داعش التي لم تفعل أي شيء يقل عن وحشية الجيش الحر الذي استخدم السلاح الكيماوي في خان العسل وأعدم المئات من الأسرى في خان العسل تماما كما أعدم داعش الجنود العراقيين الأسرى وشباب عشيرة الشعيطات بنفس الهمجية .. ووصل السلاح والمال نفسه الذي تدفق من الغرب الى الجيش الحر والنصرة الى داعش والا كيف يمكن تفسير هذا التسلح الفائق لمجموعة داعش التي كانت تعتبر منبوذة ضعيفة منذ سنوات في العراق عندما بدأت باسم (الدولة الاسلامية في العراق)؟؟ .. كل هذه التنظيمات (الاخوان والنصرة والحر وداعش) تنطلق في منطلقاتها النظرية من فكرة التكفير واقامة دولة الخلافة الاسلامية بالقوة الجهادية .. وأعضاء هذه المنظمات وجدت حلم الخلافة أمامها في داعش الثرية بالمال والنفط والجنس والسبايا والجواري والاماء وقطع الأيدي والأرجل .. وسيحدث انجذاب نوعي نحو هذا البريق الاسلامي والوميض الذي يبهر أبصار الاسلاميين في العالم .. حكم الشريعة الموعود

    عندما سمعت اقتراح الفهلوي غوار الطوشة الفرنسي ضحكت من الطريقة التي يحل فيها اولاند مشاكل السياسة وتذكرت مشهدا لاينسى لغوار الطوشة "السوري" قام فيه غوار بادارة احدى أزماته بنفس طريقة أولاند الطوشة الفرنسي .. ففي مسلسل حمام الهنا توصل غوار بعد منازلة شعرية حامية الوطيس الى أن يقنع منافسه مدير احدى الشركات بأن يعينه موظفا مسؤولا فيها .. فوافق المدير وقام بتعيين غوار مسؤولا فيها .. وكانت الشركة تريد استقبال وفد أجنبي زائر فكلفت غوار بالاشراف على الاستقبال والقيام بواجب الضيافة .. وهنا يمارس غوار مسؤولياته بشكل بيروقراطي اذ يقرر أن يقدم للضيوف وجبة كباب .. ولكن عبر مناقصة الكباب كي يكون كل شيء قانونيا ومنعا للفساد .. ويتقدم المناقصون بطلباتهم ويفوز بها سيء الحظ أبو صياح بعد شهر .. ولكن غوار يقرر عرض الكباب الفائز بالمناقصة على لجنة "تذوق" لاقرار صلاحيته للضيافة .. ولكن بعد اقرار صلاحية الكباب للضيوف وبسبب الروتين والبيروقراطية والتأخير يسافر الوفد الزائر دون أن يتناول الكباب !! .. ولذلك وجد غوار نفسه في ورطة بيروقراطية أخرى .. فالكباب صار ملك الشركة الآن ولايصح لأحد الاستيلاء على المال العام !! .. فيقرر شراء ثلاجة لحفظ الكباب .. وبما أن مقر الشركة لايتسع لثلاجة الا في الممر أمام مكتبه فانه يقرر شراء شقة .. لتوضع فيها الثلاجة .. التي فيها الكباب

    وبالطبع تفلس الشركة بعد أشهر من تولي غوار مسؤولياته .. ويعود هو الى حمام أبو صياح مصطحبا معه مدير الشركة نفسه الذي عينه ليكون صبيا من صبيان الحمام .. يفرك ظهور الزبائن .. ويدلك جلدهم بكيس الحمام .. ويسكب الماء عليهم وينشفهم بالمناشف ..باشراف معلمه الجديد .. غوار

    شركة فرانسوا أولاند للسياسة الفرنسية الخارجية تدار بنفس طريقة غوار .. اي ان الارهاب (وهو هنا الكباب) يقوم أولاند باجراء مناقصة بالظرف المختوم لمحاربته بمزيد من نشر السلاح والعنف في المنطقة .. ويشترط لذلك أن تتضمن المناقصة دعم المجموعات المسلحة السورية ضد داعش وعدم التعاون مع الحكومة السورية .. أي بدل ايقاف الدعم عن الفوضى في سورية وتجفيف بيئة العنف والسلاح والاقرار أن الثورة السورية هي الارهاب وهي جذر داعش وأن الدولة السورية هي الكفيلة بتدمير داعش وأن داعش مرتبطة بمشيمة تركية .. فانه يقرر قتل داعش بحقن وريدها الرئيسي (المتمثل بالمعارضين السوريين والنصرة) بالسلاح والمال والدعم اللوجستي وبمزيد من المتطوعين .. الذين على مبدأ الأواني المستطرقة سينتهون الى أنبوب داعش .. أي أن غوار الفرنسي اشترى الثلاجة وهو في طريقه لشراء الشقة .. والبناية .. والشارع .. من أجل كيلو كباب الارهاب

    الغريب أن الدول الغربية تعمل بنفس منطق شركة غوار الطوشة .. وهي تريد صب الزيت على النار لأن ماقاله أوباما من أنه يريد محاربة داعش بزيادة توحيد "السنة" في سورية والعراق وزيادة التنسيق معهم هو بحد ذاته دعم لداعش .. لأن مشروع أوباما هو تحويل السنة في منطقة داعش أي في الأنبار والجزيرة السورية الى جمهور من لون واحد يذيب داعش في الهيولى السنية ولكنه منفصل عن محيطه تماما كما تريد داعش .. أي سيشتري الغرب ثلاجة للارهاب (للكباب) اسمها البيئة السنية ويضعها في شقة سنية في بناء الشرق الأوسط لحفظ الكباب الارهابي اسمهما الدولة السنية في العراق والشام .. الدولة السنية المزمعة ستفرض نفسها ككيان سني منفصل تتعهد فيه بقمع داعش وحفظها في الثلاجات الطائفية عبر ايجاد أول دويلة سنية في المنطقة رغم أن ما في بطنها هو داعش وفي عقلها داعش وفي قلبها داعش .. لكن جلدها اسلامي معتدل .. وهذا المشروع قد يجذب اليه اسلاميين صاروا منفصلين عن الدنيا كلها ولايرون في أنفسهم الا هوية سنية وطنية .. وانتماؤهم للمحيط الكردي والشيعي مثل انتماء الأكراد للعراق أو تركيا

    هولاند هو من مؤشرات نهاية الحقبة الفرنسية في العالم .. تلك الحقبة لتي بدأت مع نهوض عصر المستعمرات وانهارت بدخول أدولف هتلر والجيش الالماني باريس .. وقد حافظ الديغوليون على مابقي من هيبة فرنسا الدولية ومن استقلال فرنسا حيث أن ديغول كان من اشد المعارضين للنفوذ الاميريكي في أوروبة رغم دورها العسكري في هزيمة الجيش الألماني الذي احتل فرنسا .. حتى جاء شيراك وخسر الرهان على معركة العراق فقرر بيع مابقي من استقلال فرنسا وارث ديغول للأميريكيين ودخل معهم في بازار رفيق الحريري والمحكمة الدولية .. أما هولاند فانه أكثر الرؤساء الفرنسيين ضآلة وضحالة والرجل حول فرنسا الى صبي حمام في (عالم كل مين ايدو الو) يفرك ظهر اوباما ويليّف به قفاه وينشفه بالمناشف ويصنع له الشاي بعد الحمام .. وقراءته للسياسة لاتختلف كثيرا عن قراءة غوار الطوشة للأحداث وطريقة ادارته للشركة ومناقصة الكباب .. فمناقصة "الارهاب" التي طرحها قرار مجلس الامن 2170 فهمها أولاند على طريقته وهو سيشتري ثلاجة مصنوعة من جسم المعارضة السورية لاحتواء الارهاب وسيشتري شقة للثلاجة .. اسمها الدويلة السنية في العراق والشام .. بدل الدولة الاسلامية في العراق والشام .. اي مثلما قال له المعلم أوباما الطريقة الوحيدة لمحاربة الارهاب هي في الاعتراف أن مشروع الثورة السورية هو مشروع الارهاب الأكبر وهو حاضنته وقلبه ومعدته وأمعاؤه .. وأن تركيا هي رئتاه اللتان يتنفس بهما .. وأن الوهابية السعودية هي رأسه .. وأن الاخوان المسلمين هم لسانه وبصره وسمعه .. وأن علاجه الوحيد هو الاستمتع لدروس وليد المعلم ونصائح القيادة السورية والاطلاع على الأسرار الارهابية التي صادرتها وحفظتها في خزائنها

    فرنسا جار عليها الزمن بحرمانها من الزعامات .. فالرحلة عبر الزمن من نابوليون الى هولاند لاتفسر الا على أنها هبوط في كل شيء فرنسي أنا لاأدري أصول هذا الرجل الذي يقال ان اسمه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند .. ولكن لزاما علي أن اشرح لم قلت في بداية المقال بأن أصوله أيطالية .. لكن يجب تذكر أنه بعد الثورة الفرنسية وانهيار القصور واختفاء ظاهرة النبلاء تبعثرت طواقم الخدمة التي كانت تخدم هؤلاء الملوك والنبلاء الذين كانوا مشهورين بأنهم لايأكلون الا الطعام من يد طهاة ايطاليين مهرة يسكنون قصورهم .. ولذلك فقد انتشر هؤلاء الخدم والطهاة في كل فرنسا وفتحوا مطاعم خاصة .. وصاروا فرنسيين .. ومنهم جاء أولاند .. طباخ الكباب .. الذي أضاف لرصيده في الطهي كوميدية وظرفا لاينكرهما أحد .. والايطاليون على العموم دمهم حار مثل الشرقيين ويضيفون لكل نشاط بشري نكهة من الحركة والحرارة والانفعال والدم الخفيف .. انه أولاند بن الطوشة

    مع اعتذاري الشديد لأعظم كوميدي في العالم وأحب غوار على قلوب السوريين لهذا التشبيه الذي لن يحبه .. الأستاذ دريد لحام

  • عن معادات امريكا

    («عدوّنا هو الغرب» ــــ هادي العلوي)

    صاحب القول أعلاه، المفكّر الراحل هادي العلوي، كان يحمل نظرة سلبيّة وماهويّة تجاه الغرب، بمعنى أنّه حاجج بوجود شيء «شرّير» وعدائي يكمن في جوهر الحضارة الغربية وثقافتها وتطوّرها التاريخي. والعلوي يكمل كلامه واصفاً الغرب بـ«... عدوّ البشريّة الاوحد، وأداته الضاربة في عدوانه المستمر على البشرية هي الولايات المتحدة الأميركية».بعبارةٍ أخرى، كان العلوي يضع البشرية في كفّة، والغرب في كفّة مضادة، كأنّه الاستثناء ومصدر كلّ الشراسة في العالم. هنا شيء يشبه «اكتشاف» كلود ليفي ستراوس في «مداريات حزينة» لوداعة وعمق وتنوّع الحضارة الاسيوية في الهند والصين، مقابل الشّرق الاسلامي المنغلق والعدائي والرتيب، والذي وقف حاجزاً في وجه تلاقحٍ حضاريّ وجميل بين أوروبا وآسيا. يؤكّد ليفي-ستراوس انّه كان ممكناً لولا أن الاوروبيين قد اضطروا لبناء حضارتهم وهم محاطون بالمسلمين الاجلاف (بمعنى آخر، حتّى عنف الاستعمار الاوروبي ووحشيته في وجه الهنود والصينيين تفسرهما جيرة الاوروبيين للحضارة الاسلامية!). ولكن اذا ما ابتعدنا من هذه الرؤى الجوهرانيّة، فانّه لا يوجد، للوهلة الأولى، أيّ سببٍ بنيوي وحتميّ للشّقاق بيننا - كعرب - وبين الغرب. نحن لا نملك أطماعاً في أراضيهم ومشاريعنا لا تتضمّن تغيير نظام الحكم في واشنطن أو الهيمنة عليه (البعض ما زال يحلم بالأندلس، ولكن بالامكان وضع هذه الأمثلة المتطرّفة جانباً في هذا النقاش). بل انّه من الممكن - نظريّاً - عقد علاقات تعاون وصداقة ومنفعة متبادلة مع دول المركز الغربي، ففي نهاية الأمر، نحن نملك نفطاًَ نحتاج لأن نبيعه، وهم يملكون تكنولوجيا يهمّنا أن نحصل عليها، فلما العداء؟ في الفلسفة السياسية لآلان باديو، هناك مفهومٌ يتكرّر عن «مفاصل» محوريّة في المجال السّياسي واسئلة مركزيّة، لا تكمن أهميتها في ذاتها فحسب، بل في تأثيرها على مجالاتٍ أخرى كثيرة وتشابكها معها، فتصير هذه الخيارات حاسمة في تحديد شكل المجتمع السّياسي ككلّ. تشبه فكرة باديو المفهوم الماوي عن التناقض الرئيسي والتناقضات الثانوية، وهو استوحاها من الماوية بالفعل؛ وهذه المحاور عنده تشمل، مثلاً، الخيار بين المساواة والمجتمع الطّبقي، أو بين الملكية الفردية والشيوعية، فبالنّسبة لباديو، يكفي أن تتخلّى عن الفرضيّة الشيوعيّة حتى تخضع، بالمعنى الفلسفي، «لاقتصاد السّوق والديمقراطية البرلمانية - أي نظام الدولة الذي يوائم الرأسمالية -، وللطابع «الطبيعي»، أو الذي لا يمكن تجنّبه، لأكثر الاشكال وحشيّةً من انعدام المساواة».

    الخاسر الأوّل من «وهم التصالح» كان من دون شك تنظيم «الإخوان» في المنطقة

    علاقتنا مع اميركا تجوز مقاربتها عبر هذه النّظرية. نظراً لوضع النّظام العالمي، والاختراق الاميركي في منطقتنا، فإنّ الخضوع أو «التأقلم» مع الهيمنة الأميركيّة لا يؤثّر فقط على علاقتنا بالمنظومة الغربية، ولا يقتصر على التضحية بجانب معيّن من السيادة الوطنية، بل هو تنازلٌ ينسحب على كلّ الملفّات الأخرى، من السياسة الخارجية إلى النظام الاقتصادي إلى فلسطين، وحتّى في ما يتعلّق بنوعية النّخب التي تحكم البلاد. الصراع مع الهيمنة الأميركية هو المعركة التي تختصر كلّ المواجهات، داخليّاً وخارجيّاً، والخضوع - بالمقابل - يدخلنا في مسارٍ شامل لا فكاك منه.

    وهم التصالح

    يمكن للمرء أن يتفهّم قيام شاب مصريّ «مثقّف» بمساءلة مفهوم الامبريالية، وبالتشكيك في كون روسيا وقوّتها على الساحة الدولية تختلف نوعيّاً عن نمط الهيمنة الاميركي، نقاشات كهذه مطلوبة ومفهومة، ولكنها تغدو غريبة ومستهجنة، وخارج المكان حين تكون اميركا هي القوّة الّتي رسمت لهذا الشاب ماضيه السياسي، وفرضت عليه نظامه الاقتصادي، وسيّرت بلاده وخياراتها في كلّ المجالات خلال العقود الماضية. منذ قيام الثورة المصريّة ظهرت نزعة لدى العديد من الناشطين المصريين تتجلّى في «تجنّب» المواجهة مع الدور الاميركي في بلادهم، أو حتّى نقاشه، واعتباره «طبيعيّاً»، أو القول بأنّ المجابهة غير ممكنة، أو انّه من المتاح تأجيل هذا السؤال الصعب وبناء نظامٍ سياسيّ حرٍّ وجديد تحت السقف الأميركي وبالتفاهم مع واشنطن. حقيقة الثورة وجذريتها تنتهي أمام انعطافات كهذه، هناك دائماً أسئلة صعبة ومواجهات مكلفة ولكنّها، تحديداً، ما يعطي الثورة مغزاها ومعنى القطع الفعلي مع الماضي ودينامياته وترسباته. بدلاً من أن تكتسب الثورات العربية معنىً جذريّاً حقيقيّاً، تكون المواجهة مع منظومة التبعية الخارجية في قلبه، جاءت بروباغاندا مصادرة الثورات وتدجينها وتزييفها (وهي لم تكن أقلّ أذىً من «الثورة المضادة» ذاتها) لتشيع وهم أنّ الثورة ممكنة بالتصالح مع الوضع العالمي القائم، بل إنّ الاصلاح يجب أن يجري بالتفاوض معه ومع ممثليه! هذه الحالة من «الجهل المريح» لا تغيّر الواقع وموازينه، ولكنها تشوّه الوعي وتنفي الفعل السياسي. هناك كتب كاملة كُتبت عن الثورات العربيّة ومصائرها، في تونس ومصر واليمن، لا تجد فيها أثراً للدور الأميركي، أو يجري الكلام بشكلٍ عمومي ومبهم عن «السفارات» و«الحكومات الغربية» (فتصير الولايات المتحدة وبلجيكا، مثلاً، فاعلين متساويين). هذا المزيج من التبسيط والتواطؤ هو الذي سهّل للأميركيين التحكّم بالعملية السياسية وادارتها في تونس وليبيا ومصر، من خلف الكواليس، وهو الّذي جعل العملية السياسية المحلية في هذه الدول متمحورة حول استمالة القوى الغربية وعقد الصفقات معها. مرسي جاء بصفقةٍِ مع اميركا، وخُلع بموافقتها، والسيسي زايد على «الاخوان» في خدمة المصالح الاميركيّة، فصار محظيها الجديد. لا شيء يدلّل على حالة الجهل المقصود كاقتناع الكثير من جماهير السيسي بأنّ رئيسهم يحكم في «تحدٍّ» لأميركا، مصدّقين القصص المسرحيّة عن «وقفات» السيسي في وجه واشنطن، ومن أطرفها ادّعاء أنّ السيسي سيتسلّح من روسيا بغية الخروج من دائرة الهيمنة الاميركية (وبتمويلٍ خليجي، تقول الروايات، أي أن السعودية والامارات، في العالم الذي يعيش فيه البعض، سوف تسهّل صفقات مع روسيا بهدف تفتيت النفوذ الاميركي!). يكفي أن نستمع الى رأي الجنرالات الإسرائيليين والاميركيين في نظام السيسي، وامتداحهم الدائم للتعاون غير المسبوق للحكومة المصرية مع إسرائيل في قمع الفلسطينيين، حتى نفهم مركزيّة الدور المصري لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. الخاسر الأوّل من «وهم التصالح» هذا كان، من دون شك، تنظيم «الإخوان» في المنطقة. الخسارة الكبرى للاخوان لم تكن في انحدار نفوذهم السياسي فحسب، وهم كانوا يمسكون بقياد الحكم في بلدان عربية عدّة قبل سنة ونيّف، فصاروا تنظيماً مقصيّاً ومطارداً. الخسارة الحقيقية لـ«الإخوان» تمثّلت في انّ استراتيجيّتهم للحكم بالتفاهم مع اميركا أوصلتهم الى خسارة السلطة والموقف المبدئي في آونة واحدة، بعد أن كان «الإخوان» المصريين، في الماضي، يحملون ادّعاءات راديكالية، نقدية تجاه القوى الغربية وإسرائيل، وضد النظام السياسي والاجتماعي القائم، لم يعد بإمكانهم العزف على الوتر نفسه، بعد أن وافقوا على السير في درب «كامب ديفيد»، وعدم تحدّي النفوذ الاميركي، والتواصل مع «إسرائيل»، وكلّ ذلك من أجل الوصول إلى الحكم - الذي لم يلبثوا أن خسروه نتيجة لـ«صفقة» عقدها الاميركان مع غيرهم. حتّى اليوم، في الذكرى السنوية لمجزرة «رابعة»، يستنكف «الإخوان» عن توجيه نقدٍ حقيقيّ ومباشر لأميركا، أقلّه على ما فعلته بهم. هم يعرفون جيّداً أن من كان يقتل مناصريهم في الميادين، ويعتقل قادتهم وناشطيهم، هي فعلياً السياسة الأميركية لا السيسي. هم يدركون أنّ الولايات المتحدة انقلبت عليهم وعلى أيّ مفهومٍ للتمثيل الشعبي في مصر، وهم لا يزالون - مع الأسف - يأملون بعدم خسارة الرضا الأميركي ولا يريدون اغلاق الطريق على تفاهم جديدٍ في المستقبل يعيدهم الى منصة الحكم. من تداعب خياله خططٌ من نوع «استخدام» اميركا واستغلال «تلاقي المصالح» معها، وهو يظن أنّه «يضحك» على الاميركيين ويتذاكى عليهم، ليس له الّا أن يقرأ تجربة «الإخوان» ومصيرها. المصيبة الحقيقية اليوم، لمن ينظر إلى الساحة الاسلامية، تتمثل في أن «داعش» أضحى التنظيم الاسلامي الوحيد في المنطقة الذي يحمل موقفاً جذرياً من السياسة الأميركية، فيما أغلب الاسلاميين الباقين قد اختُرقوا وحُيّدوا، بعضهم دخل في صفقات تحت الجناح الأميركي والبعض الآخر يقاتل بأمر غرف العمليات في تركيا والأردن التي تديرها الـ«سي اي اي». هذا الواقع، لوحده، كفيلٌ بتحويل «داعش» الى القناة الوحيدة لجذب الشباب الاسلامي الذي يرفض الهيمنة الأميركية (بطبيعة الحال، فإنّ راديكالية «داعش» في وجه اميركا ما هي الا امتدادٌ لتطرّفه في التعامل مع المخالف القريب والبعيد - وهو لن يطاول اميركا، ولكنه في ديارنا).

    ثمن الانشقاق

    المسألة هنا ليست على طريقة توصيف «نعوم تشومسكي» لعلاقة الفرد مع النظام الرأسمالي، حيث تنازلٌ صغير يجرّ آخر، حتّى يجد الانسان نفسه وقد صار غارقاً في نظام السوق وعقليّتها، وفي حالة اعتمادٍ لا فكاك منها، بل هي تتعلّق بكامل البنية التراتبية التي تحكم علاقة اميركا مع باقي العالم. في أزماننا هذه، انت ان لم تكن تملك ترسانة نووية، أو بلداً بحجم قارّة كالصين أو الهند، فإنّ مصيرك الطبيعي هو الالحاق ضمن المعسكر الاميركي ومنظومته العالمية. لا توجد علاقةٌ في الساحة الدوليّة لا يحكمها منطق القوّة. روسيا تكتشف اليوم أنّ كل المؤسسات العالمية، وصولاً إلى أنظمة تحويل النقد وخوادم الانترنت والمحاكم الدولية، سوف تتحوّل إلى أسلحة ضدّك لدى أوّل اختلاف مع السياسة الاميركية (حتّى لو كان مردّ الخلاف أنّ الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة قاما، بشكلٍ علني، بتشجيع وتشريع انقلابٍ ضد الحكومة المنتخبة في اوكرانيا، شعاره الأساس معاداة روسيا). لهذا السبب تنهمك روسيا اليوم في انشاء مؤسسات بديلة للتعاملات المصرفيّة وتبني الصين وإيران شبكات انترنت وطنية، لا تمرّ عبر خوادم خارجية ولا يمكن قطعها أو التأثير فيها بسهولة (والصين أصرّت، منذ بداية عهد الانفتاح فيها، على ابقاء التعاملات المالية مع الخارج تحت سيادة الدولة حصراً). هذه البدائل لن تكون أكثر كفاءة من المؤسسات المعتمدة عالمياً، ولكنّها السبيل الوحيد لحماية هذه الدول من مصير كوريا الشمالية - بمجرّد توقيع زعماء غربيين على سلسلة قوانين وعقوبات. في عالمنا هذا، كلّ الخيارات صعبة، ولا معنى هنا للتدثّر بتعابير فضفاضة واستسهالية مثل «معاداة الامبريالية»، يمكن لأيّ كان أن ينضوي تحتها؛ اذ لا يوجد بالمعنى العملي شيءٌ اسمه «معاداة الامبريالية»، يملك بنية واضحة، وعقلاً مركزياً يخطط، ويشمل قوىً قادرة على مقارعة الامبراطورية. كما انّنا لم نعد في الأيّام التي كان الزعماء العرب فيها، كصدام حسين وحافظ الأسد، يحاولون «اللعب على الحبال» واستغلال التناقضات بين المعسكرات الدولية بغية تحصيل مكاسب من الجهتين. صارت الهيمنة الأميركية مباشرة وآمرة، من يراقب تفاعل الإدارة الأميركية مع الأنظمة التابعة لها في منطقتنا، أو يقرأ ببساطة وثائق «ويكيليكس»، يدرك أن العلاقة تقتصر على تقسيم المهمات، حيث تعيّن الولايات المتّحدة، لكلّ «حليفٍ» لها، دوراً محدداً ضمن الاستراتيجية الاميركية في اقليمه، وما عليه الا التنفيذ. قد يحاجج البعض بأنّه من الأسلم دخول هذه العلاقة غير المتكافئة، وتجنّب كلفة التحدّي، وأن نحاول أن نتبع مسار دولٍ ككوريا وتايوان واليابان، تمكّنت من تحقيق التنمية والتقدّم عبر التعاون مع النظام المهيمن بدلاً من الخروج عليه. ولكن من الضروري هنا أن نعي جيّداً شروط الخضوع في منطقة كالشرق الأوسط، وما اذا كنّا مستعدّين لاحتمالها: التصالح مع اميركا، مثلاً، يعني مباشرةً أن ننسى فلسطين وتحريرها، وأن نُخضع اقتصادياتنا لمشيئة المؤسسات الدولية، ونحن لا نملك طبقات برجوازية قديمة - كما في إيران والهند مثلاً - لديها مصلحة في الاستثمار الوطني وتنمية البلد، ولا نملك (كاليابان وتايوان وكوريا) ارث دولة مؤسسية متمرّسة في الإدارة. بمعنى آخر، فإنّ ارساء النظام الاميركي لدينا لن يعني إلا ادامة حكم النخب القاصرة والطبقات الناهبة والفئات المتحالفة مع الخارج. الخيار هو ليس بين الخضوع الكامل لأميركا أو العداء النهائي معها، بل هو يتعلّق بمستوى التنازلات الذي تقبل به، و- وهذا أهمّ - النيّة الأميركية نفسها، التي قد لا تكون تصالحية أو قابلة للمساومة. في حالة إيران مثلاً، وهذه نقطة يجب تكرارها حتى نفهم حقيقة الموقف الايراني من السياسة الدولية، لم تكن إيران - برغم ارث حرب الخليج - في وارد الصدام مع الولايات المتحدة، وكانت بياناتها الرسمية (ولم تزل) تدعو باستمرار الى علاقات جيدة مع اميركا وغيرها من الدول الغربية. بل إن ايران كانت مستعدّة لتقديم تنازلات جدية في هذا الاطار، وفي إيران أصلاً نخبٌ وطبقات تسعى بحماس الى دخول منظمة التجارة الدولية وفتح العلاقات التجارية مع الغرب وتلزيم قطاع الطاقة في إيران للشركات الغربية. من هنا، لا يستغرب التفاوض الاميركي - الإيراني ومحاولات التقارب بين الحكومتين إلّا من يعتمد الصورة النمطية التي خلقتها أميركا عن إيران، ويجهل حقيقة التفكير السياسي الإيراني. جلّ ما أراده الإيرانيون هو أن تكون العلاقة مختلفة عن النمط «الاختراقي» الفوقي الذي يحكم صلة العديد من الدول الصغيرة باميركا - بمعنى آخر، أرادت إيران من أميركا أن تعترف بها كـ«قوة اقليمية»، لها درجة من الاستقلالية، وسياسات خاصة بها في منطقتها والعالم، والحقّ في مدّ نفوذها وعلاقاتها في الدول المجاورة (وبعد ما فعله جيران إيران بها خلال حرب الخليج، لا يمكن أن نلوم الإيرانيين إذا ما خالطهم قدرٌ ما من البارانويا، وسعوا الى حماية انفسهم من محيطهم). أميركا هي التي لم تقبل بهذه الصيغة، فبدأت، من جانبٍ واحد، بفرض العقوبات على إيران في عهد كلينتون (من دون سبب مباشر)، وأطلقت علناً سياسة «الاحتواء»، حتى جاء عهد جورج بوش الذي وضع إيران في «محور الشر»، ونزع الشرعية عن النظام الإيراني، وجعل من تغييره هدفاً رسمياً للسياسة الاميركية - هكذا ابتدأت المواجهة.

    خاتمة

    في العقدين الماضيين، كانت الهيمنة تمارس نفوذها وحروبها وغزواتها تحت ادعاءات قانونية وانسانوية كونيّة، تصوّر أفعالها دائماً على انّها تجسيدٌ للشرعية الدولية ولمفهوم العدالة والمصلحة العامة. بطبيعة الحال، الكثير من النخب في العالم الثالث استنسخت هذه المفاهيم عن «الشرعية الدولية» و«المجتمع الدولي» وصدّقتها وجعلتها جزءاً من ثقافتها ونظرتها الى العالم. ولكن، مع تقلّص القوة الغربية وقدراتها، تبدأ هذه «المبادئ» والشرائع بالانحلال، بالتوازي مع انحسار القوة المهيمنة. الراحل الكبير هادي العلوي كان يفترض أنّ زوال سطوة الغرب كفيلٌ، في ذاته، بتغيير مسار الحضارة الانسانية، وفتح احتمالات جديدة للحياة البشرية، اقل مادية واكثر تحرراً. ولكننا انسجاماً مع رفض الجوهرانيّة، سننطلق من فكرة أنّ البشر متشابهون، وأن لا ضمانة في أنّ العالم الجديد الذي يتشكل اليوم سوف يكون أفضل وأكثر اخلاقية من سابقه. بالفعل، على مستوى معيّن، فإنّ التعامل مع دولٍ كروسيا والصين لا يختلف جذرياً عن العلاقة مع الدول الغربية. الروس والصينيون والإيرانيون وغيرهم لا يختلفون، في نهاية الأمر، عن الغربيين في براغماتيهم وسعيهم خلف مصالحهم، وفي قدرتهم على الاعتداء والأذى، ولكنّهم حين يفعلون هذه الأمور، على الأقل، فإنّهم لا يفرضونها علينا تحت اسم العدالة والشرعية والحضارة.

    * من أسرة «الأخبار»

  •  عودة الحرب الباردة؛ الجيش الأحمر في سوريا؟ 

    تتجه روسيا إلى تغييرات عميقة في عقيدتها الدفاعية؛ ستعتبر الولايات المتحدة والناتو الخطر الرئيسي المحتمل. هذا هو العنوان العريض؛ يستلزم ذلك وقف التعاون في التسليح والتنسيق العسكري والأمني مع الدول الغربية، وسيكون بإمكان القوات الروسية القتال خارج الأراضي الفدرالية؛ ضد القوى التي تهدد الناطقين بالروسية ومصالح موسكو، كما ضد القوى الإرهابية.وصل الروس إلى قناعة راسخة بأن الغرب لا يريدهم شركاء، ولا مستقلين؛ بل يخطّط لمنع روسيا من التحوّل قطباً دولياً. ردّ الناتو في أوكرانيا على التحدي الروسي في سوريا في سياق هجوم منسق على الغلاف الجيوبولوتيكي لروسيا؛ عضويات وصواريخ وأسلحة وجنود الناتو على الحدود؛ كأنه سعي لحصار عسكري يرافق الحصار الاقتصادي. بذلك، لا تعود الحرب الباردة فقط، بل حرب نصف ساخنة. لن تقف التطورات عند استحداث عقيدة دفاعية جديدة، بل لا يمكن لموسكو أن تتجاهل ضرورة العودة إلى عقيدة اقتصادية قديمة ــــ جديدة، تقوم على نمط لم يتبلور بعد من رأسمالية الدولة القومية، وتسريع الإطار الاقتصادي الدولي المنافس للغرب، أي مجموعة البريكس، والشراكات مع دول أخرى، أهمّها إيران. يدعم الروس طهران في الملف النووي، وهناك عقود في مجالات عدة، منها بناء مفاعلين نوويين جديدين، وثمة تطابق في وجهات النظر حول مجمل القضايا الدولية والإقليمية. لكن موسكو ليست واثقة، بعد، من أن الإيرانيين سيحسمون خياراتهم الاستراتيجية؛ هناك تيار إيراني يغازل الغرب، ويفضّله، وتيار آخر يغازل الإخوان المسلمين والاسلاميين الذين يعتبرهم الروس خطاً أحمر. في المقابل، ستتجه الولايات المتحدة إلى إغراء إيران؛ فالتحالف الروسي ــــ الإيراني يشكّل كارثة للغرب في منطقة تمتد من أفغانستان إلى لبنان. يمكن للدولتين الحليفتين أن تفرضا شروطهما كما في سوريا. على المحك الآن، مقاتلة «داعش» والتنظيمات التكفيرية: هل سيتم السماح لواشنطن بتجميع حلفائها الإقليميين ــــ بمن فيهم الإسلاميون «المعتدلون» الذين يحاربون النظام السوري ــــ في ائتلاف ضد «داعش»، يخلط الأوراق، ويعيد صوغ هيكلية النفوذ الأميركي في المنطقة؟ هل ستكون إيران عضواً واقعياً في هذا الائتلاف؟ أم يمكننا التنبؤ بائتلاف روسي ــــ إيراني ــــ سوري، ينتقل من التنسيق السياسي والدعم والتسليح إلى عمل عسكري مشترك؟ يسعى باراك أوباما إلى بناء ائتلاف مضاد للإرهاب، يضم دولاً قدمت للمجموعات الإرهابية الدعم المالي واللوجستي والتدريب والتسليح... الخ، كالسعودية وقطر وتركيا والأردن، بالإضافة إلى تنظيمات إرهابية تعمل في سوريا. إنها، في الواقع، عملية ضبط بالقوة وإعادة توجيه تنظيمي للإرهاب نحو الالتزام بخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، في حرب طويلة تسمح للأميركيين بالتدخل حيثما يريدون؛ هل تقف موسكو مكتوفة الأيدي، خصوصاً أن إعادة توجيه الإرهاب ستشمل، الآن، الأراضي الروسية؟ تهتم روسيا اهتماماً خاصاً بمصر، الحليف القديم والبلد الذي حصل الآن على حيّز من الاستقلال في الحركة، خارج النفوذ الأميركي. لكن القاهرة لا تزال في وضع ملتبس وغامض في علاقاتها الدولية. تصوّروا أن مصر غير مدعوّة بعد للانضمام الى الائتلاف الأميركي ضد الإرهاب، بينما تعتمد السعودية، بالدرجة الأولى، على القوة المصرية، للتوازن مع إيران، ولدرء خطر «داعش». «داعش» تشكل خطراً حقيقياً على الكيان السعودي؛ فهي تستعيد وهّابيةً أولى صافية من التعديلات والضغوط الملكية: «داعش» تمثّل، من جهة، التجسيد الحيّ للثقافة العميقة المسيطرة في السعودية، وتختزن، من جهة ثانية، مزيجاً من الاحتجاجات الشعبية والقبائلية. ويعرف آل سعود، قبل سواهم، أن انقلاباً «داعشياً» هو حدث ممكن في المملكة: هل تواصل الرياض الثقة بالحماية الأميركية، أم تتجه إلى استدعاء الجيش المصري، خارج الائتلاف الأميركي، وبدعم تسليحي روسي؟ هل يمكن استمرار السماح بتداخلات من هذا النوع: تفاهم أميركي ــــ إيراني وتفاهم روسي ــــ مصري، وتنسيق واقعي مع دمشق ضد «داعش»؛ أم أن الحرب الباردة، ستعيد ترتيب الاصطفافات على أساس مواجهة مفتوحة بين معسكرين متصارعين لا يسمحان بالتشريك حتى الميداني؟ العقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا، ستحسم، نهائياً، القضية السورية كقضية أمن قومي بالنسبة لموسكو؛ لم يعد ممكناً. ليس فقط التسامح إزاء امكانية خسارة الحليف الثابت الوحيد في المنطقة، بل أكثر بكثير: لم يعد ممكناً السماح بإطالة الحرب السورية واستنقاعها، كما في المخطط الأميركي؛ يفرض ذلك، انتقالاً من مرحلة الدعم السياسي وتكثيف التسليح، كماً ونوعاً، إلى مرحلة المشاركة. سبق للطيارين الروس أن قاتلوا في سماء القاهرة ودمشق ضد العدوان الإسرائيلي. يمكنهم الآن العودة للقتال ضد الإرهابيين. يمكن، أيضاً، أن يتحمل الجيش الأحمر مسؤولية الدفاع عن الساحل، بما يسمح للقوات السورية، التحشيد لمعارك فاصلة في الشمال والجزيرة الفراتية. تخطى النظام السوري مرحلة الخطر منذ زمن؛ لكن سوريا مستقرة موحّدة آمنة قوية، يُعاد بناؤها بروافع روسية صينية إيرانية، أصبحت، اليوم، ضرورة استراتيجية عاجلة للعقيدة الدفاعية الجديدة لروسيا.

 

الأخبـــار

خليفة الاسلام والمسلمين أبو بكر البغدادي في تركيا

أيلول 21, 2014 178 المشرف العام
31
من المقرر أن يسافر ابو بكر البغدادي الى تركيا في الايام المقبلة لحضور اجتماع امني ماهو موقف المجتمع الدولي هل ستبقى تركيا تبتز المنطقة وأكدت مصادر خبرية مطلعة أن أبا بكر البغدادي بعد خروجه من الموصل…

طبيبان (1)

أغسطس 30, 2014 438 المشرف العام
4545
في الصورة طبيبان نرويجي "كافروالآخر سعودي عربي مسلم " في الصورة طبيبان أقسما على حفظ حياة الناس وتخفيف آلامهم. الأول على اليمين نرويجي "كافر" اسمه مادس جيلبرت، ترك النرويج ونعيمها و جاء متطوّعاً…

الاعلان العنصري (1)

أغسطس 16, 2014 608 المشرف العام
we
لا مفاجأت تنتشر الشعارات العنصريه في مدن شمال العراق في وقت يحضر الغرب والأمريكان لتأسيس دوله كرديه.....السؤال طيلة فترة صراع الأكراد مع السلطه في بغداد على مدار 100 عام لم يتم رفع شعار عنصري ضد…

المدن الأكثر ازدحاماً في العالم!

أغسطس 03, 2014 588 نديم حدادين
qqwq
كلما ازدادت الكثافة السكانية، كان الناتج الحتمي زيادة وسائل النقل من سيارات ودرجات وغيرها وبالمحصلة ازدياد الزحام على الطرقات. وإن كنت ممن يكرهون الازدحام كرهاً جماً، فننصحك بالابتعاد عن الدول…

كردستان تباشر بتصمم عملة جديدة تحمل صورة والد مسعود

تموز 12, 2014 853 المشرف العام
434
كشف مصدر مطلع في اقليم كردستان، السبت، عن تصميم حكومة مسعود بارزاني الحليف الرئيسي للكيان الصهيوني عملة جديدة لكردستان، مبينا ان العملة غير خاضعة لقوانين البنك المركزي العراقي وتحمل صورة مصطفى…

لقاء عاصف بين "حسن نصرالله" و"مقتدى الصدر"

تموز 12, 2014 897 دي برس
563530
منذ اللحظة الاولى لاحتلال داعش للموصل وصحرائها طغى قلق كبير عند حزب الله لا سيما ان ذلك التطور يعكس خطورة كبيرة على المحور السوري الايراني الذي كان قد حقق انتصارات كبيرة سياسية وعسكرية.اضافة الى ان…

ثقافة وأدب

أريدك أن تكون ضدي ...

imagesCAPDWHWV
خلدون جاويد أيلول 21, 2014 134
لا اريدك ان تكون معي أريدك ان تكون ضدي.. لا تتفق معي بل إختلف ضدي يعلـّمني الكثير في الاتفاق تسليم بنهاية سجال . في الاختلاف تواتر اذ أتفقنا على أن…

لأنه فقير ومؤمن ......

6565g
سامي كليب أغسطس 31, 2014 338
كانت امه الفقيرة المقهورة تحلم أن تراه يوما يكبر بكرامة ويأكل بعزة ويعيش بفخر . شجعته ان يصبح جنديا. كانت تطبع كل اسبوع قبلة على وجنتيه فيبادلها…

ثلاث نتف صوف على لوحة سوداء

01102012-2
صائب خليل أغسطس 30, 2014 302
(طلب أحدنا أن يكتب كل منا نصاً يعبر عن حال العراقيين اليوم ... فكتبت هذه الخاطرة) "خللي نشوف شراح يصير"، قالت النتفة الأولى بصوت خفيض، والتفتت يسرة…

مزيد من المعرفة

  • secular-culture
    المشرف العام 989 حزيران 16, 2014

    ما هو تعريف العلمانية؟

    يعرف معجم روبير العلمانية (بفتح العين)، نسبة إلى العالم (بفتح اللام) بأنها :"مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية". وهذا التعريف للعلمانية… تابع القراءة...
  • 6yyuuy
    د فرج خلاف 1116 أيار 26, 2014

    الطاقة النووية و تطبيقاتها

    من خلال التحديات والصراع من أجل استمرار حركة التقدم وعجلة الاقتصاد تسعى الدول جاهدة للحفاظ على مصادر الطاقة المتمثلة فى النفط والفحم ، وتسعى الحكومات للوصول إلى البدائل التى تحافظ على أستمراريها , حيث أثبتت الدراسات عن احتمالية… تابع القراءة...
  • 579445 404965096204024 711427287 n
    ياسر مرزوق 1228 أيار 17, 2014

    قراءة في كتاب نقد الفكر الديني لصادق جلال العظم

    صادق جلال العظم: فيلسوف ومفكِّر سوريّ ولد في دمشق عام 1934. تخرّج بدرجة امتياز من قسم الفلسفة في الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1957 ليحصل بعدها على الدكتوراه من جامعة "ييل " في الولايات المتحدة الأمريكيّة باختصاص الفلسفة المعاصرة… تابع القراءة...
  • 4444
    إعداد: إسراء بحمد 1322 ابريل 27, 2014

    ! الله ، العقل ، الشريعة ، الحكمة ...عند ابن رشد

    المقدّمة:“تبدأ الفلسفة بالدّهشة” إنّه لقول مأثور لأفلاطون. وأيّة دهشة هي هذه؟ إنّها دهشة العقل إزاء معنى الوجود، وأسرار الموجودات! فعندما ينظر المرء إلى جمالات الكون بعين الفكر، ويسمع صوت الحياة بأذن الحكمة، ويؤمن بواجب الوجود… تابع القراءة...
  • 121
    المشرف العام 1636 ابريل 02, 2014

    التاريخ العثماني الاسود ...كي لا نخدع مره أخرى

    تاريخ المحتل الاسود لبلادنا ونجعل من المحتلين والقتله رسول ومشعل للحرية لمجرد ان رايه يوافق اهوائنا حرام نحن محتليين من الاسرة الثلاثين قبل الميلاد كفانا دفاعا عن الذل هذا باب هو باب زويله الذى علق عليه السلطان العادل أبو النصر… تابع القراءة...
  • 002
    المشرف العام 1855 آذار 14, 2014

    العالم والمخترع والعبقري نيكولا تيسلا

    نيكولا تيسلا (10 يونيو 1856 - 7 يناير 1943) مخترع مشهور في العالم كما وأنه كان فيزيائي و مهندس ميكانيكي ومهندس كهربائي. ولد كمواطن صربي في عهد السيطرة النمساوية و صار فيما بعد مواطن أمريكي ولد تيسلا في يوغوسلافيا عام 1856 وتعلم… تابع القراءة...

send-article

مقــالات

العراق - حكومة عتبة انتقالية للأجندة الأمريكية

imagesCAY8B4I1
ها قد تشكلت الحكومة العراقية بشكلها الأساسي ورغم بعض التعتيم، فشكلها العام واضح تماماً ويمكن تحديد مهامها الأساسية من…

لماذا لا يتنازل الأسد ؟

CAD5DL6Y
هناك سؤال دائم الحضور في الإعلام : لماذا لا يتنازل الرئيس الأسد عن الحكم و يخرج الخروج …الآمن الذي يتحدث عنه الرئيس…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

هل نحن كذلك؟؟؟؟

a12
يروى أن حاكم إحدى البلاد البعيدة أصابه مرض خطير فلم يجد الأطباء لعلاجه سوى قطع أنفه، استسلم الحاكم لأمر الأطباء وقاموا…

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو

أحدث التعليقات