|
البديل الديمقراطي تأسست عام 2003 |
الدين لله والدوله والوطن للجميع | ||
|
|
|||
|
الارشيف |
بين
زمنين...........تقي الوزان
عام 1991 , وأثناء عملية تحرير الكويت من قبل القوات الأمريكية وحلفائهم , كنا في
كمب للاجئين في السويد . كنا نحاول ان نوضح للآخرين من غير العراقيين حجم الظلم
الذي انزله النظام الصدامي بالكويت , وقبلهم العراقيين والإيرانيين . تصدت لنا
مجموعة من اللاجئين العرب , كانوا يقدسون صدام , واخذوا يتعرضون لنا , وتدخلت إدارة
الكمب لإيقاف تجاوزهم علينا . وبعد أيام عرضت التلفزيونات فيلم يظهر فيه جندي عراقي
أسير يقبل بسطال الجندي الأمريكي , واخذ الأخوة العرب يتجاوزون علينا أكثر ,
واعتدوا على احدنا بالضرب المبرح , لكوننا جبناء نقبل البسطال الأمريكي ولم ندافع
عن الوطن , ويقصدون صدام . لم يدركوا ان اغلبنا من بيشمركَة الحزب الشيوعي , وقضوا
أجمل سنوات عمرهم في معارضة النظام الصدامي , وتحملوا مع عوائلهم كل صنوف العذاب
والموت كي لا يصل الهوان بالعراقي إلى هذا الحد , واضطرت إدارة الكمب لإبلاغهم
بانهم سيسفرون الى البلدان التي قدموا منها ان هم كرروا اعتدائهم علينا .لم نتبرأ
من الجندي العراقي المسكين , وحاولنا إفهام الآخرين مدى انسحاق هذا الجندي من قبل
آلة الإرهاب الصدامي , كانت المرارة تسحقنا , والذل يلجم أفواهنا , كنا ندافع
باستماتة لكي نوقف نزيف كرامتنا , آلاف السكاكين الصدامية والأمريكية تنغرس في
قلوبنا وسط ذلك الظلام الدامس , لا نرى علاماتها , نفرق بينها من شدة الطعنة ,
وكلما كانت الطعنة أعمق , وأكثر تمزيقا , ندرك إنها طعنة بعثية . لا احد يلومنا ,
استنزفت كرامتنا , ولم يبقى ما نفاخر به غير الذل والامتهان , ولو جاء كَلكَامش
لضحكوا عليه , واخبروه : بأنك لو كنت بعثيا لما سرقت الأفعى منك أعشاب الخلود , ليس
المهم ما سعيت لأجله , بل ماهو بين يديك . كيف السبيل لإفهامهم بمحنة كَلكَامش ؟!
كيف يفهمون ان سبب بلائنا هو بحيرات النفط تحتنا , وليس لديهم عشر خيراتنا , ولكننا
نهرب إليهم ونلوذ برحمتهم من سطوة أبناء جلدتنا , كيف يدركون ان كل أنهارنا ومياهنا
لن تتمكن من إزالة الأوحال التي لصقت بكرامتنا , وجعلت منها عورات نخجل من إظهارها
. عرضت لقطات الجندي عدة مرات , ثم رفعت ولم تعرض بعدها , لإدراكهم ما تسببه من الم
, لحجم الامتهان من كرامة البشر . صباح يوم الانتخابات في 7 آذار , عرضت فضائية
العربية لقطات عنونتها : أول رجل ينتخب في البصرة , لألفات النظر أكثر في التركيز
عليها , وقطعا انه لم يكن اول المنتخبين , لان المسئولين يدفعون آلاف الدولارات
للقنوات الفضائية كي يحضون بأبهة الناخب الأول الفاشوشية . كان قد قارب السبعين من
العمر , يلبس العقال , وسترة عتيقة متربة , والضعف واضح في نظراته , وتكسر صوته .
كان يشكو بمرارة وألم من ضعف الحال , ويتوسل المسئولين على ان يمنحوه المساعدة
الشهرية الشحيحة كل شهر , وليس كل ثلاثة اشهر . ويسأل : من أين نأكل ؟! وانحنى على
الميكرفون وقبله بتوسل . أثارت هذه أللقطات العار الذي شعرنا به ونحن نشاهد الجندي
العراقي قبل ما يقارب العشرين عاما .
هل يدرك الساسة العراقيون , وبالذات من استلم , ومن سيستلم السلطة الآن , ان : لا
فرق بين البسطال الأمريكي وبين مايكرفونات قنوات العهر والفضيحة العربية , ومثلما
عرضت أللقطة الأولى عدة مرات ورفعت , عرضت قناة العربية أللقطة الثانية عدة مرات
ورفعتها أيضا , لنفس السبب . فهل يدرك هؤلاء السياسيون : ان نتيجة البؤس العراقي
واحدة , ومن لا يرتضي مقارنته بصدام عليه العمل بجد لإزالة أسباب هذا البؤس . هؤلاء
ليسوا منافسين لكم , او خصوم سياسيين , حتى تجري محاصرتهم بعيشهم وكرامتهم , انهم
الرايات التي تكشف عن سفالة الحكام العراقيين , هذه العلامات لايمكن إزالتها بدهون
المكياج والعطور , بل تحتاج الى عمليات جراحية لكي تستأصل وتمحى آثارها الى الابد.