|
البديل الديمقراطي تأسست عام 2003 |
الدين لله والدوله والوطن للجميع | ||
|
|
|||
|
الارشيف |
كما تموت
النجوم..........علوان حسين
النجوم لاتـُشترى لكنها تهب نفسها مجانا ً للناس , وحين تموت لايدري بها أحد . في
طفولتي كنت أراني واحدة من النجوم المعلقة في السماء . في صيف بغداد اللاهب كنا
ننام على سطح الدار . وقتها كانت السماء خفيضة والنجوم في متناول اليد , نقطفها كما
نقطف البرتقال من الشجرة . قبل أن يتسلل النعاس إلى عيني ّ كان لابد لي من تفقد
النجوم نجمة ً نجمة كما لو كن أخوات لي . لم يخطر ببالي بأن النجوم تضجر وقد تموت
منتحرة وهي في قمة بهائها وجمالها كما فعلتها ( مارلين مونرو ) التي قررت أن تموت
منتحرة لتظل شابة نضرة لاتشيخ في عيون عشاقها ومحبيها في العالم كله . الآن تسيطر
على عقلي وفكري وحواسي فكرة وحيدة هي أن أموت منتحرا ً وبذلك أكون قد تحررت ليس من
الألم والوحدة , بل من الكوابيس التي رافقتني من أيام معتقل تدمر الصحراوي الرهيب ,
الذي أمضيت فيه عشرة أعوام ونصفا عجافا ً ضاعت وضيعتني في متاهة من الخوف والكآبة
والموت البطيء . ترى مالدافع الحقيقي لهذه الفكرة ولماذا تستحوذ علي ّ الآن ؟ هذا
السؤال مالاأستطيع الإجابة عنه لأنني أنا نفسي أجهله .
لنقل من باب إيجاد بعض المسوغات المنطقية , أنا أنتحر لأنني قلق ٌ , لكن السؤال
الذي ينبثق هنا مم َ أنا قلق .. ولماذا ؟ على هذا السؤال البديهي والبسيط لا إجابة
عندي أيضا ً . أنا قلق من الماضي , ماضيي الخاص بي رغم أنه قد ولى وإنصرم ولم يعد
إلا في مخيلة صديقنا ( نيتشه ) الذي يؤكد على العود الأبدي . قلق ٌ أنا من الحاضر .
هذا الحاضر الذي يكاد يخلو من الدهشة والتناغم والحب . والذي يخلو من المغامرة
والنبل والمتع والصداقات الحقيقية . هذا الحاضر الجدير بالرثاء , بالنسبة لي وربما
لغيري بخيل وشحيح ولا يمنح الغبطة ولا الهدوء والقدرة على التأمل .
حاضر يفتقر إلى العاطفة والأمل والحلم . قلق ٌ أنا من المستقبل . من الكوابيس التي
تلاحقني وتدس بنفسها في نومي لتعبث بي وتلعب معي لعبتها القذرة , لعبة القط والفأر
. ومن الخوف الذي ربض على صدري منذ الطفولة , حينما كان أبي يمارس معي دور الجلاد ,
ثم حين كبرت وإشتد ساعدي إستلمتني جلاوزة الحكومة وجلاديها وأرتني كل أصناف وأنواع
التعذيب الجسدي والنفسي وغرست الرعب والخوف في كل مسامة من مسامات جسمي . عشش الخوف
في عقلي وقلبي ودمي وصرت أتنفسه كما الهواء الفاسد . حينما أبكي , وأنا أبكي لأيما
سبب ٍ أذرف الخوف بدلا ً من الدموع . قلق ٌ أنا من فكرة أن أموت من الخوف , ثم بعد
الموت يأتي ملاك ٌ سماوي فيوقظني من الموت ويثير في قلبي الهلع وترتعد فرائصي أمامه
..
- هل تعلم من أنا .. ومن هو الذي أرسلني إليك ؟
- تبدو ضابط أمن .. لابد أن المخابرات السورية هي من أرسلتك ألي َ ..
- كلا لست ضابط أمن , ولا عمل للمخابرات السورية هنا ..
- حمدا ً لله .. لكن قل لي حلفتك بهيفاء وهبي من أنت ؟
- أنا ملاك ٌ مبعوث ٌ من السماء لإستجوبك عما فعلت بدنياك ..
- أيها الملاك السماوي , هل سمعت بمخلوق ٍ أسمه جبر ؟
- لا مع الأسف لم أتشرف بمعرفة شخص يحمل هذا الأسم .. لكن ماعلاقة السيد جبر
بموضوعنا ؟
- لأنني أنا هو جبر ياسيدي .. وكل ما أعرفه من الدنيا , أنني خرجت من كس أمي للقبر
..
- وماذا فعلت في الوقت مابين خروجك الميمون حتى القبر ؟
- عشت طفولة ً بائسة مع أب كان يجعل جلدي مزرقا ً من الضرب والجلد , ثم أستلمني
بعده معلم الحساب الذي كان يضربني بخيزرانته الرفيعة حتى تتورم يدي ّ من الضرب ..
وحين كبرت تذكرتني دوائر الأمن والمخابرات السورية فقامت بواجب الضيافة العربية على
أتم وجه .. بعدها أرسلوني مخفورا ً لمعتقل يقع في المثلث السوري العراقي الأردني
يسمونه معتقل تدمر التي كانت تحكمها امرأة يسمونها (زنوبيا ) .. في هذا المسلخ
البشري يتبرأ السجين عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه . بعد أن قضيت فترة الشباب السعيد
في هذا المكان الموحش ذهبت بصفة لاجيء إلى الولايات المتحدة الأمريكية , ثم إشتعلت
الحرب وغزا ( جورج بوش ) قاتله الله وطني ودمره
وعاث فيه فسادا ً ثم جاء بشذاذي الآفاق واللصوص والقتلة ليحولوا بلادي الجميلة إلى
خراب , كل هذا بسبب مجرم حقير من صنع أيديهم .. جاء بوش وعصابته للنهب والقتل وشفط
البترول .. ماعلاقتي أنا المواطن البسيط ببوش وعصابته والبترول وإبن لادن وحافظ
الأسد ونبيه بري الذي خطفتني عصابته وسلمتني للمخابرات السورية .. صدقني أيها
المحقق السماوي بأن لاعلاقة لي بالمقبور صدام حسين , ولا بأبنته رغد ولا حتى
بالممثلة الجميلة رغدة التي كان العراقيون يسمونها عشيقة السيد الرئيس .
لا علاقة لي بوديع حداد ولا بوديع الصافي , لا بكارلوس ولا عبد الله أوجلان ولا
بأبراهيم طاطلس .. لايد لي في المجازر الجماعية التي حدثت للكورد , ولا بما يسمى
الأنفال أو مذبحة حلبجة .. طبعا ً أنت أدرى كونك مبعوث سماوي بالإنتفاضة الشعبية
وما حصل بعدها من مذابح ومقابر جماعية ..
في حماه السورية حدث الشيء نفسه وعلى يد الحزب نفسه الذي تعرفه أنت أكثر مني ..
يُقال بأن نهر العاصي صار لونه أحمر دموي وقد طافت الجثث فوقه كما طافت الكتب في
نهر دجلة أيام مولانا هولاكو .
- لماذا تصدع رأسي بكل هذه القصص ؟
- كي تذهب إلى المجرمين الحقيقين وتحقق معهم بدلا ً من إضاعة وقتكم الثمين مع مخلوق
بائس مثلي ..
- وهل أنت سني أم شيعي , علوي أم زيدي أم من جماعة الأثني عشر ؟
- في الحقيقية أنا منحت صوتي للعلمانيين , عسى أن يكونوا خيرا ً من الذين جاءوا
بأسم الدين وبركات آل البيت ثم خذلونا ..
- وما هي علاقتك بهيفاء وهبي ؟
- علاقة حب من طرف واحد ..
- طرفك أم طرفها ؟
- طرفها هي طبعا ً .. تريدني عشيقا ً لها ورفضت ..
- المسكينة كسرت خاطرها .. ماذا قلت لها بالضبط ؟
- قلت لها أنا لا أشم وردا ً شمه غيري ..
- طبعا ً هي إنتحرت من أجلك ..
- لا سيدي , أنا هو الذي إنتحر وليس هي ..
- منحك الله العقل لتفكر به والقلب لتحب وتعشق والجسد لتستمتع .. ماذا ينقصك كي
تنتحر ؟
- تنقصني الحياة أيها الملاك الطيب ..
- ماذا تعني بالحياة وقد كانت وديعة بين يديك ؟
- أن أعيش دون حرمان , لا من الحب ولا من السعادة ولا من الأمن ..
- هذه الأشياء كان من واجبك البحث عنها وحين لاتجدها في الخارج
فتش عنها في أعماقك لعلك واجدها ..
- طيب , أمنحني فرصة أخرى للعيش وربما أجدها فيما تقول ..
- ومن سلب منك فرصتك في العيش ؟
- سلبها مني الموت .. إلا تعلم بأنني إنتحرت ؟
- لا أنك لما تنتحر بعد , كنت فقط تحلم بالإنتحار ..
- يعني أنني لم أمت بعد ؟
- لا طبعا ً .. قم الآن وأغسل وجهك بالماء البارد ثم حاول البحث عن كل ماينقصك سواء
الحب أو السعادة أو حتى الأمن والأمان .
كاتب من العراق يعيش في كاليفورنيا
alwanhussein@yahoo.com