للكاتب رأي

المناقشة السببية...في سلسلة الخراب السورية

الكاتب: د. عبد المعين زريق التاريخ: 16 أغسطس 2014.

332بات واضحاً لكل الناظرين إلى الحال السورية و الواقع الكارثي الذي اعتراها بعد اندلاع ما سمي "الربيع العربي" وانعكاساته المدمرة على الانجازات المدنية و الحضارية للسوريين , أن حجم التأثير المدمر لما حدث يكاد يكون غير مسبوقٍ في التاريخ السوري باستثناء الخراب الذي أصاب سوريا في سياق غضب الطبيعة و حدوث الزلازل  و البراكين المدمرة في مناطق متفرقة منها كما في حالة الزلزال الذي أصاب حلب على دفعتين في عامي 1822 و1830 وأدى لتدمير ثلثي المدينة و وفاة أكثر من ثلث قاطنيها .لكن المدينة بسكانها انبعثت من جديد بعد عشرين سنة على الأكثر و استعادت وضعها كمدينة مفصل على طريق الحرير التاريخي.إن الخراب و التدمير الحاصل في البنية العمرانية الحضارية السورية  منذ ما يزيد على ثلاث سنوات , وما يزال مستمراً يترافق بتأثيرات في البنية الاجتماعية السكانية على شكل انقسامات أفقية و شاقولية في ديموغرافية السوريين(حقيقية كانت أم مصطنعة).

التدمير و الخراب الذي يطال كلَّ مُشكِّلات و مكونات البنية الحضارية السورية و منجزات الدولة السورية العميقة, يخضع لمنهجية تخريبٍ مدروس مدفوعِ الأجر ومقصودِ الأهداف ,ويسير ضمن حلقاتٍ عمَلانيةٍ في ما يدعى "سلسلة الخراب والتدمير"بعيداً عن مناقشة صوابية و أحقيّةِ المعارضاتِ السياسية في استخدام العنف المسلح في "إسقاط الأنظمة " السياسية الحاكمة ,وهو موضعُ خلافٍ موضوعيٌ منطقي ,خاصةً عندما تفتقر هذه المعارضاتُ إلى الحسِّ الوطني في المحافظة على الكيان الوطني و تفتقد القدرة اللوجستية على التغيير , وعندما تخضع هذه المعارضات الشعبوية المراهقة لأنظمة تحكّمٍ وسيطرةٍ خارجية مُعاديةٍ مشبوهة (رجعية عربية أو أجنبية معادية) وتصل بها ظروفها الثورية البائسة إلى رمي كلَّ أوراقها في أيدي الصهاينة و الطامعين بسورية دولةً و مقدراتٍ.عند الذهاب بعيداً (افتراضياً لبيان الحُجّةِ) في الموافقة على استخدام الأعمال المسلحة في إسقاط أنظمة الحكم القمعية الظالمة, فإن المنطق العقلاني يستلزمُ أن يُوجهَ عملُ المواجهة العنفي إلى مواقع النظام القمعي ومراكز قوته الصلبة , وليس كما جرى في الواقع السوري ,عندما اجتاح عنف المعارضة كلَّ الأمكنة و كلَّ القطاعات المختلفة مخلفاً وراءَه كوارثَ تدميرٍ وخرابٍ غير مسبوقة على الإطلاق.صدّرت أجهزةُ الإعلام صورةً نمطيةً واحدةً منذ بداية الحراك السوري في شهر آذار عام2011 و مازالت مُصرةً عليها حتى هذا الوقت و إن كان الواقعُ يكذبُها كلَّ يوم.كانت الصور الثابتة و المتحركة تُظهِرُ "الثوارَ" بين البيوت المهدمة أو أنهم يستخرجون جثثَ القتلى من بين الأنقاض في مشاهدَ تشبه عالم كافكا العبثي . فتعاطفت الأعينُ المراقبةُ عبر الشاشات و اكتسبت "الثورة السورية" زخماً شعبياً كبيراً(خارجياً أكثر منه داخلياَ)عند قراءةِ الصور السابقة ذاتِها من عينٍ مراقبةٍ عن كثب , تتفكك تلك الرواية المُضَلِلَة في أجزاء كثيرةٍ منها. فالواقع يُثبتُ أنَّ جموعَ المسلحين المعارضين استخدمت تكتيكاً واحداً خاصةً في البلدات والمدن الكبيرة , وهو الدخول في الأحياء الشعبية وأماكن السكن العشوائي في أطواق المدن (وهنا يجب عدم المبالغة في توفر الحاضنات الشعبية للثورة ضمن هذه الأوساط ,وهي لا تزيد في معظم الحالات عن عدد المهتمين بتداول السلطة بينهم ) وبناءاً على اعتبار أن حقيقة الحراك كان ريفياً بامتياز عدا ذلك الذي حدث في مدينة حمص , فإن "ثوار الريف" قد اجتاحوا الأحياء السكنية و استوطنوها وتمترسوا بين أهلها مُعاندين رغبةَ أهلها من الطبقات الوسطى و الفقيرة.

لم يكن حدوث أقل مواجهة بين المسلحين و قوات الجيش السوري إلاّ إيذاناً بنزوح مئات الألوف مُخلفين وراءَهم كلَّ ممتلكاتهم لِمَنْ جاء يحميها عنوةً عنهم و لكي يُسقِط النظامَ الظالم في أزقتها و حاراتها الضيقة!وسارت "سلسلة التخريب"وفق السياق التالي:دخول المسلحين إلى منطقة سكنية وإعلانها محررةً عن سلطة الدولة , وعند بدء المواجهة مع الجيش يبدأ اللجوء و النزوح (وهذا يفسر الأعداد المليونية للنازحين و اللاجئين السوريين  داخلياً و خارجياً) , وعند المواجهة المسلحة بين الطرفين تكتملُ عناصرُ التخريب والدمار بما توفره آليةُ الحرب الحديثة من قدراتٍ تدميريةٍ هائلة.

راح كلُّ مراقبٍ حسبَ غرضه وخلفيته الإيديولوجية و الذرائعية يلحظُ حلقاتٍ مختارةً من السلسلة و يلوم أحدَ طرفي الحرب المستعرةِ دون أن يضعها في سياقها الواقعي و السببي ,وإن كانت النتيجة النهائية واحدةً وواضحةً في كل الصور كما هي في الميدان؛ المزيدُ من انهيار البنى الحضارية التحتية الأساسية للمجتمع السوري.

تظهّرت صوُر الأحداثِ بشكل فاقعٍ عندما اقتحمت الحربُ مؤخراً مناطقَ ذات بيئات معاديةٍ للحراك ذاته في أكثر من منطقة, وشاهد العالمُ  مستغرباً دخولَ المسلحين إلى مناطق مثل معلولا و عدرا وكسب وغيرها ممن لايمكن مطلقاً أن تشكلّ حاضنةً شعبيةً أو أنها تطلبُ عونَ الثوارِ لتحريرهم من بطش النظام !

قال الرئيس السوري بشار الأسد في بداية الأحداث عند ظهور ملامح تخريبية في الحراك السوري :يجب أن لا يسجل التاريخ أن السوريين أنفسهم قد دمروا بلدهم في زمن ما.والحقيقةُ أن بعضَ السوريين لم يكتفوا بتدمير بلدهم  بأنفسهم , في درس مكرّرٍ في دول المنطقة في زمن الديمقراطية والحرية الأمريكي , وأنهم عملوا أُجَراء لقوى معاديةٍ (إقليمية و أجنبية)لتحقيق هذا الهدف (وهنا يجب دراسة دور تركيا في تدمير وسرقة معامل حلب كمنافس قوي لها في المنطقة , ودور دول النفط و الغاز في ضرب القرار السوري لمصالح ذاتية ) بل أنهم استجلبوا إلى بلدهم كلَّ منْ يساعدُهم في مَهمة التخريب و التدمير من كلِّ أصقاع الأرض.

إن التفسير التالي يبدو منطقياً في فهم هذا الأسلوب الممنهج للمعارضة السورية ,حديثة التشكل و التي ركِبت الحراكَ دون أن تكون مستعدةً لقيادته إلى شط الآمان . وعندما وجدت نفسها أمام استعصاء عملياتي في إسقاط النظام السوري بسبب تجذره و قوته الشعبية و صلابة تحالفاته في المنطقة والعالم , راحت تبحثُ بشكلٍ مدروس عن انجازات النظام و مفاخره على مدى ما يزيد عن خمسين عاماً و استهدفتها بكل الوسائل اقتصاديا و أمنياً و صحياً, ليتحول الهدفُ سريعاً في الواقع من إسقاط النظام الحاكم إلى عملية إسقاط للدولة السورية بكل مكوناتها بما فيها منجزات النظام.

(وما التركيز على شيطنة دور الجيش السوري وتكفيره واستحلال دماءه لِحلّهِ وتفكيكه إلاّ العملية الأكبر في هدم الدولة السورية ودفنها)

لايمكن هنا إغفال دور السلطة في سلسلة الخراب أو التغاضي عنه , وإن كان هذا الدور يأتي تالياً لعملياتِ احتلال مناطق أو عصيان مسلح, فتتذرع القوة القاسيةُ للنظام بالقوانين الدولية التي تبرر لها أن تحتكر بموجبها العنفَ المسلح في مواجهة التمرد كما في كل دول العالم, و تعتبر أن استخدام الجيش في قمع الحركات المسلحة للمعارضة فرضتها عواملُ مختلفةٌ منها :عدم توافر قوات مكافحة الشغب بأعداد كافية ,و أن اتساع رقعة المواجهات تطلب زجَّ أعدادٍ كبيرة من منتسبي الجيش , وأن طبيعة المواجهات سرعان ما تغيرت عندما تحولت إلى حرب حقيقية بدون أي محرمات (بعضهم يدّعي أنّ المخططَ المٌعدَّ لسورية هو الحربُ منذ بدايةِ الربيع العربي , و يستشهد بتغيير العلم السوري كما تغير العلم الليبي مبكراً لفرز جبهات القتال على الطرفين, بينما لم تُغيرْ راياتُ الثورات في مصر و تونس و اليمن و البحرين)

إن انتصارَ الدولة السورية في مواجهة المصير هذه مع ما يترتب عليها من أكلاف باهظة مادية و بشرية لهو كفيلٌ بسياقِ تدافعِ الأحداثِ المنطقي من أن يخلقَ دولةً متجددةً دفعت أثمان حريتها و قرارها المستقل , وشكلت نمطاً متمايزاً لدول المنطقة في الوقوف المعاند و الممانع و المقاوم لسياسات السيطرةِ والهيمنةِ والنهب الاستعماري لشعوب ومقدرات المنطقة مستندةً إلى تاريخ حضاري عريق و قرار وطني مستقل

د.عبدالمعين زريق

حلب

المقالة منشورة في جريدة الأخبار

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو