للكاتب رأي

يا سميح العالي: "على دمشق الشام روحك راجعه"!

التاريخ: 30 أغسطس 2014.

1553في حياة الجماعات وخصوصا في زمن الأزمة والردى، ينتظر الناس رجالا بعينهم، وهكذا بالضبط ، في لحظة صعبة، لا يتسع لها وصف، كانت تفيض بالوجع والمرارة والضرورة من كل  حدب وصوب، ظهر سميح القاسم في حياتنا، كمقاتل تولد على هيئة شاعر، وكقائد عالٍ في أهم الجبهات، جبهة المعنى والكلام المستقيم كشرط لاستقامة كل  حال.وتقول الرواية بأن ذلك قد حدث في بلاد جعلها الله موطنا لترتيل آياته عن " الكلمة – بما هي- من الروح القدس" ، حيث القول يصبح  أيقونة الحياة، والقوة التي تسرى في الوجود وفقهه، ككتاب مسطور، وكرسالة لا حدود لصداها،  وهكذا كان الحال، منذ علم آدم الأسماء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

في صلب تقاطعات شاقة، وزمن لا يروي لنا التاريخ ما هو أصعب منه، قام رجل منا وفينا، مع رجال آخرين توزعوا على مساحة الوجع الفلسطيني الشاسعة ، ضد الاحتلال والظلم والقهر والإقصاء  والعدوان والفساد والرداءة والهوان والخيبة والبشاعة والبؤس واليأس، كانت الكلمات هي سلاحه وسلاحهم الأول والأعتى،  كلام مقاتل صعد لتوه من روح جريح، غير أنه بشرنا في زمن يفيض بقطران اليأس،  بأن الغد يمكن أن يكون لنا، بثمن الكبد والصبر والمطاولة والعودة لروح جسور، ورمى على قارعة وعينا الأمل الذي يغري  بجعل الغد عينه، فرحا وجمالا وإباءً وانعتاقا لنا ولغيرنا، وطالبنا بفعل ذلك ما استطعنا اليه سبيلا وأكثر.

 لقد كان سميح القاسم  من الآباء المؤسسين للصوت الأول والأعلى الذي إستوى في كلمات ردت على الكارثة والانكسار الفلسطيني بقيام إسرائيل، كلمات تشكلت كمقاومة، استولدت السلاح  الأجمل والأقوى الذي يؤسس لكل قتال وجودي ممكن، لبقاء جماعة كانت تعيش عملية طرد من الواقع والنصوص والتاريخ على يدي ظالم مقتدر بصورة "تتعدى حدود العصر والتاريخ" كما قال ادوارد سعيد يوما من على  جبهته  العريضة  التي أقامها خلف خطوط العدو البعيدة.

وكان أن صار صوته وأصواتهم  نشيدا، وصار للنشيد رايات وعلامات لها قلاع وجبال من المعنى والصبر والوعد والأمل المستولد من  نفس العذاب، كما صار لها شاهداً وشهيداً، وعلى وقع النشيد مضت ألوف مؤلفة من جيل نكبة إلى آخر بحثا عن الإنعتاق الصعب.

وكما يطوي الليل ظلامه الدامس فقد كان سميح القاسم مثل الخيل الجموح التي تطوي ليلها ومسافاته الشاقة " منتصبة القامة" في نواصيها الوعد، فما هان، وما هانوا، وما هانت ، إلى أن صارت راياتهم هي شاهد قبورهم، ووصايا أودعوها أمانة عند الوارثين، فطوبى.

*     *      *

لقد تربينا فيما تربينا، على كلام أرسله لنا سميح القاسم في الأزمنة الصعبة، كي يستعيدنا  من الوجع والركام، ويعيدنا لأنفسنا رغم جراحنا البليغة غانمين بعض روحنا، في الطريق المضني كي نربحها كلها، وعوّدنا على تصعيد علاقتنا معه بالصوت والصدى، قبل أن نرى قوامه وجماله ، هناك في المكان الأثير من وجداننا ووعينا وأمالنا ورهاناتنا، كان يأخذ مكانته التي

تليق به وبحضوره ،وعندما جلس على أرائكنا لم يأتِ من بعيد، لقد  نزل نحوها من وعينا ووجداننا، وقليلون هم الأشخاص الذين لا نحتاج لرؤيتهم عن كثب، إلا على سبيل التأكد من لمسهم، لمس العين واليد والكلمات لأنهم أصلا هناك، فينا.

 لذلك لم يكن سميح القاسم  بحاجة لأن نزوره أو يزورنا سعيا على الأرجل، كما لم نكن بحاجة لنكسةٍ تجلل نكبةً كي تجعل الأمر ممكنا، لقد كان يرانا، وكنا نراه حيثما ولى وجهه ووعيه وذائقته، وتسرب فينا وسرى في الزمن : من وراء ظهر الغاشمين، وعلى عين  العزل والقهر والقطع والعسف والحصار وجدرانه المتطاولة ، وبمقدار ما ساهم في تحويل الكلمات لحّدٍ من حدود حياتنا فقد جعلها فضاءً فسيحا لها في آن.

*     *      *

وأما المرض اللئيمُ سليلُ الغدر وحليف الوجع، فلم يكن على هول بؤسه أكثر من مانع رديء  يشوش علاقتنا مع سميح القاسم، بيد انه  نجح في تضييق فرص  حضوره الجسدي دون أن تكون لهامته القدرة على منع سميح القاسم منا وعنا، بل على العكس، لقد فاقم  من حضوره الرمزي والجمالي في مخيالنا على نحو أعمق. لا، لم تكن  للمرض يوما قامة  تحّول دون التلاقي المتصاعد، بين رجل حقيقي أصيل ووجدان شعبه وأمته وزمنه، أما  مغناة موته فقد وضعت سميح القاسم في سجل الخالدين، بعد أن أكدته في فضاء النصر العميق الذي جرى في حدود حياة الشخص نفسه، نصر يحيل إليه تأمل الفارق بين ما كان عليه الحال عام 1948 وما صار عليه يوم موته.

*     *     *

يا سميح القاسم حيث أنت بعهدة ربك في الخالدين: يا الذي من كبار الشعب والأمة الباقين كـ"حجر يشد البحار إلى قرون اليابسة"، ويا المقيم في  كل المجازات المترامية للقول وللفعل، والمدى المخملي للذاكرة، كي نلقاك في المكان العالي، (قد) لا نحتاج كثيرا للمكتبات والكتب أو المنابر أو الذكريات، التي اتسعت لبعض ما قلته، أو كنت تود قوله، وليس لكل قولك، إنك هناك، في صوت الروح الصاعد ضد الظلم والقهر والعدوان، وفوق خطوطها وخلفها.

 وأنت هناك، في قلاع غير قابلة للسقوط، أوقعت هزيمتها في الغزاة بيقينها، قلاع بنت نفسها، كلمةً فموقفاً  فجمالاً فمعنىً، حتى صارت دليلا عظيماً على الحق والصبر والحلم والعنفوان والبسالة والرهان.

 وأنت هناك لأنك سليل فلسطين، ومعانيها الرحبة الممتدة من السماء حتى الأرض  ففي كل صوب ونحو، وأنت هناك لأنك أخذتنا برفق الكلام وبصوابه، وبشدة الموقف ولينه، دون أن تترك لنا ترف الدعوة أو الاختيار، وقلت لنا تلك هي دروب الخلاص، لا تأثموا  فتضيعوها، فإذا ذهبنا في الدروب سنرى الزهو في عينيك وروحك، وإذا أثمنا ستهددنا باسم القصاص المّر، وفي كل حال سوف نراك، تلقانا ونلقاك.

وأنت هناك، كما قالتك مغناة الشام ونشيدها  في يومك" على دمشق الشام روحك راجعه"، مغناة وضعت قمراً من فلسطين في مدار الشام البهي الجميل العالي، وقدمت له عرشا من الكلمات التي تليق به، فصارت وشاحاً لفتى الأمة الأغر، وفاض النشيد: تيناً وزيتوناً، سميحاً وشاماً.

*     *     *

السلام على روحك يا سميح القاسم ، والسلام لفلسطين وبها، والسلام على الشام ولها، والسلام على من يذهبون  كي يعودوا بالإنعتاق لا أقل، ولا تراجع .

---------------------

* كاتب وأستاذ جامعي من فلسطين

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو