للكاتب رأي

مواجهات المصير...والسقوط في الخندق المعادي

التاريخ: 13 سبتمبر 2014.

6368329155 7ce331498c zلعل المتابع المتبصر لما يجري من أحداث مركّزة مكثّفة متلاحقة بشكل غير مسبوق في قلب العالم العربي ودوله الكبرى المؤثرة (في بلاد الشام وبلاد الرافدين و مصر وليبيا و اليمن وغيرها) يكاد يعانده استقراء المنطق السليم ,ولايصدق تدفق شلال هذه الأحداث الرهيبة العبثي و سيجدُ حتماً صعوبةً كبيرة في استيعابِ مفاعيلها وتأثيراتها على الواقع الجغرافي والسياسي.

إن الأحداثَ المتوالية التي انقدحت في منطقتنا وراحت تحرق بنيرانها المشتعلة الجميع وتهدد بتغيرات وجودية و كيانية مذهلة تقع بعد سنوات طويلة من نشر مشاريع ومخططات أطلقتها أصوات وأقلام في مراكز بحثية غربية لمستقبل شعوب المنطقة العربية وشكل بلدانها الجديد,لكنها بدت لكل العقول العربية "الكبرى" وقتذاك نوعاً من الأحجيات والطلاسم,صعبة الفهم و التصديق والاستيعاب لدرجة أنها لم تكن قادرة على تفكيكها وإعداد خطط المواجهة المصيرية لها عندما تحين سنوات الحسم.

فلم يُقابل نشرُ خرائط المنطقة الجديدة وإطلاقُ تعابير ومصطلحات وافدة من مثل "الفوضى الخلاقة" أو مشروع "الشرق الأوسط الجديد" إلا بنوعٍ من ثقافة نخبوية ضيقة تشبه إرهاصات توجسات غير ناضجة أو مُدركة وكأنها صنفٌ من الترف الفكري تناولَتها بعضُ النخب دون أن تكون قادرةً على إيصالها لوعي الجماهير,والعمل على خلق بيئات ممانعة لها، قادرة على تحطيمها وإسقاطها في أوقات المواجهة المصيرية، قوبلت هذه الأصوات القليلة التي تحدثت بخطر هذه المشاريع والخطط المشبوهة بهدير ثقافة وجوقة مثقفين "نفطيين" أن هذا كله ليس إلاّ ولعٌ وإيغالٌ في ترويج فكر المؤامرة, وسيطرةٌ له على العقول العربية التي ابتليت بلغة خشبية قديمة لم تغيرها. وبات على الإنسان العربي أن يعطل عقله وأن يتناسى تاريخه القريب والبعيد, وأن ينشط كل غرائزه ليصبح متلقياً "صالحاً" سهل المنال لسيل لاينتهي من الكذب والتضليل .

هذا الفكر النفطي المُستأجر هو ذاته من فرش الطريق لهذه الخطط والمشاريع المدمرة وكان مفكروه أنفسهم من استخدم السيناريو المعدُّ سلفاً لها,وانطلقت بواكير التصنيفات الطائفية والمذهبية, فأصبح عندهم الردُّ على "الفوضى الخلاقة" إعلانَ وجود "هلال شيعي" في المنطقة من قبل ملك الأردن ،المعلومة العبقرية الفهلوية التي تغطّست بعوائدِ النفط مراتٍ كثيرةً و لاكتها ألسنةُ طائفية مأجورة بدون كلل أو ملل، وبات الرد على  مشروع "شرق أوسط كبير" ومخاضه أثناء حرب تموز 2006 نوعاً من الانخراط مع العدو الصهيوني بالتآمر العلني وما استتبع ذلك من فضائح تزكم الأنوف بحيث يُعهد بمال عربي بترودولاري لتشكيل مجموعات إسلامية متطرفة لغرض طائفي من أجل قصِّ أجنحة المقاومة وسحق مقدراتها البشرية واللوجستية وضرب البنى الأساسية التي تستند إليها ,كما تم العمل الحثيث على تشويه السمعة و شيطنة كل من يحارب الكيان الصهيوني المحتل أو يحمل هذه الثقافة.وهنا يمكن قراءة الواقع الحالي وتأثيراته الكارثية المتلاحقة في أوراق ووثائق الماضي القريب [تقرير سيمور هيرش 2007عن تشكيل المجموعات المتطرفة في لبنان وطرق تغذيتها لوضعها وجهاً لوجه أمام المقاومة] وعبر التقارير والبيانات الصادرة عن الإدارات الأمريكية و مسؤوليها تكشف ما حدث ويحدث في المنطقة[خطة بوش والمحافظين الجدد في أمريكا في إسقاط سبع دول في المنطقة ابتدءاً من العراق فسوريا ولبنان وليبيا والسودان واليمن.. حسب ما صرّحَ به كبار رجال المخابرات الأمريكيون عبر ما دعي نظرية " تساقط قطع الدومينو"].

 تم خلال ذلك صرف مبالغ نقدية كبيرة لتشويه المقاومة ولشراء ذممٍ للنشر والتعميم والترويج وللتورية والكذب والتضليل بدأت بها الإدارة الأمريكية مباشرة بعد حرب تموز 2006 ,مضافاً إليها الدعم السخي الذي حظيت به المعارضة السورية الخارجية ومجموعات "المجتمع المدني وتشجيع الديمقراطية" في أقطار عربية كثيرة من قبل الإدارة ذاتها.

هاهم العرب مرة أخرى يستعدون لتشكيل جوقة مساندة جديدة,تقرع طبول الحرب وتندفع في الصفوف الأمامية لجحافل المعارك العالمية الكبرى للقضاء على خطر الإرهاب "الإسلامي " ,البعض يفعل ذلك مضطراً وبعضهم يفعل ذلك مختاراً,وبعضهم يفعله خاضعاً لأجهزة تحكم وسيطرة خارجية.

يستعاد السيناريو القديم في ضرب الخطر الأحمر "الشيوعي" بذات أدواته وبيادقه وبذات الطريقة والأسلوب يتم تشكيل الجبهات المتقاتلة لدفن الصفحات القديمة وتشكيل المصطلحات المواكبة لسيناريو إنهاك المنطقة الجديد.لايمكن تفتيت الأمة وإضعافها بطريقة أسهل من ذلك,معارك طائفية ومذهبية وعرقية متنوعة.

و لكيلا لايتوه المرء في خضم دخان الحروب المشتعلة والسيولات الجغرافية المذهلة التي تجتاح المنطقة أو يفقد بوصلته ضمن تداعي الأحداث السياسية وتناقضاتها وتبدلها,وبسبب تقارب الجبهات المتقاتلة وتغير بعض التحالفات والإفلاس الذي تشعر به بعض الحكومات المرتبطة بالخارج وبسبب تبدل الخنادق السريع في هذه المواجهات, فقد تجد نفسك في خندق عدو أزليّ لك,تطلب مساعدته من خلف متراسك,بحيث أصبح هذا الخيار متاحاً في المنطقة,وصار الأمريكي بفكره التقليدي المتغطرس وذيوله واستطالاته موجوداً في ساحات مشتعلة كثيرة من العالم العربي يُطلب منه المساعدة كمخلِّصٍ في الحرب على الإرهاب,الأمرالذي لايبدو حلاً مثالياً أو مقبولاً لمشاكل الشعوب العربية.

لذا يجب أن لاتضِلَ مراكبنا في هذه الأنواء القاسية والطقوس المظلمة,ويجب أن تتجه بوصلتنا نحو جنوب مغناطيسي لانخطأه عند هبوب العواصف المفاجئة.

يجب أن يستبقى مجالُ واسعٌ لرأيٍ مختلفٍ مغاير يرفض رهنَ قسمٍ كبيرٍ من عرب المنطقة "السنّة" والتعامل معهم ككتلة صلبة واحدة متطرفة دينياً, تشكل بيئةً حاضنةً لهذه الفكر الديني ويصبح معها المقامرة بهم في حرب مذهبية مُفصّلةٍ أصلاً للمنطقة في دوائر الغرب المعادي أمراً لا يسترعي حفيظة أحد.

  إن جموع التيار البشري الواسع المُعبِّر عن المناطق الواقعة في شمال وشرقي سورية وغربي العراق والمأسور حالياً بطبقة متطرفة طافية على سطح التحولات الجديدة,لايمكن معاملته كقيمةٍ مضافة غير مؤثرة حسابياً في مشهد المواجهة الأخير ونتائج الحرب الكارثية أو اعتباره ضحية مقبولة لقصفٍ أمريكي أو لتمترس أفواجِ من المتطرفين بينهم.

 إن تفكيك الفكر المتطرف الحالي الذي يغطي الصورة الكاملة في كل العالم العربي وعزله فكرياً و موضوعياً في بيئته, والعمل على إحياء وتنمية فكر معتدل يعبر حقيقةً عن المطالب الوطنية العقلانية المرتبطة بالمصالح الشعبية السنيّة يعدُّ باكورةَ الطريق نحو حلٍ موضوعيٍ تجترحه شعوب المنطقة وقياداتها الواعية.ويلزم ذلك افتكاك القسم الكبير من المواطنين الواقعين تحت سطوة التطرف والإرهاب في المناطق المشتعلة بكل تصنيفاتهم الطائفية,خاصةَ أولئك السنّةُ الذين شكلوا على الدوام أديم العروبة في المنطقة ومتنها,ويجب عدم تركهم رهينةً مُكرهةً مأسورةً تدور باسمها زوراً أوار الحرب المذهبية المدمِّرة.

 إن انخراط حلف المقاومة الكامل ودخوله في حرب مذهبية طائفية في المنطقة يفرض إسقاطاً موضوعياً لكل طاقات الأمة العربية وشعوبها في السيناريو المعادي الذي طالما حذرنا منه,وبذلك ينجرُّ الجميع لحربٍ عبثية يقودها الحمقى والأغبياء والطائفيون وسيسقط فيها مئات الألوف وربما الملايين من الأبرياء بدون طائل أو فائدة,وقد تفاجئك ظروف الواقع الميداني للحروب المصيرية فتسقط في خندق العدو وتصبح معه في جبهته كتفاً لكتف وتبدأ بالتصفيق لعدوك القديم [أمريكا وتوابعها] وهو يقتل ابن بلدك في سوريا والعراق واليمن وليبيا وغيرها في صور متلاحقة لقُصُوفاتٍ(ج قصف) جوية تشبه ألعاب الفيديو والرسوم المتحركة,تحتاج كل صورة وموقعة منها عشرات التحقيقات لكشف مصداقيتها وبراءة أو إجرام الضحايا فيها.

لذا يجب عدم الانجرار وراء الأحداث الجارية بمنطق الغرائز الطائفية والأحقاد المشتعلة والرؤوس الساخنة,والبحث السريع عن حلول إبداعية إصلاحية تعيد تحكيم العقل إلى هذه الساحات المليئة  بالجنون المذهبي والتطرف الطائفي,والعمل على استعادة كل طاقات ومقدرات الأمة العربية والإسلامية,ونفضِ هذا الغبار الطائفي عن ضميرها الراسخ المتجذر,و مواجهة مؤامرة مشاريع الخرائط الجديدة بخطط توحيد وتشارك لكل الإرادات الواعية والمقاومة في المنطقة بعيداً عن اجترارالسيناريو الأمريكي ومصطلحاته ذاتها.

حوادث و حقائق :

- صدور القرار 2170 من مجلس الأمن بمكافحة التنظيمات الإرهابية تحت الفصل السابع 

- الطيران الأمريكي يقصف في العراق واليمن وليبيا

- أوباما يعلن: سنستمر في الطلعات الجوية فوق العراق و"الدولة الإسلامية" سرطان في المنطقة لايمكنه أن يعيش فيها.

- العراق يتسلم 15 مليون قطعة سلاح

- الطيران السوري يقصف معاقل المتشددين في الرقة

- أمريكا تعلن فشل عمليات استخبارتية في سورية لتحرير أسرى ورهائن أمريكيين لدى "الدولة الإسلامية"

- سقوط مئات الضحايا كلَّ يوم في العراق وسوريا وبقية الدول العربية

د.عبدالمعين زريق

حلب

16-8-2014

المقالة منشورة في جريدة الأخبار

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو