للكاتب رأي

هل تعلم غيرهم من التاريخ حتى يتعلموا هم؟

التاريخ: 21 اكتوبر 2014.

559533wwفي نيسان عام 1980 كان القتل المنهجي للمعارضين لنظام صدام حسين من خارج حزب البعث وداخله قد أصبح ممارسة يومية، وكان كل من في البلد يتحسس رأسه لأن ملك الموت كان يحوم كالغراب في سماء المدن العراقية، ولم يكن أحد واثقا من أنه لن يحط في ساعة ما على رأسه. وصل الإسراف في ا...لقتل حد أن بعض الرجال أعدموا لأن أطفالهم أخبروا معلميهم في المدرسة أن أباهم يبصق على شاشة التلفزيون عندما يظهر عليها صدام؛ وآخرون أعدموا نتيجة إبلاغ من زوجة حاقدة، بل وهناك من أعدموا لأن عمالا أجانب أبلغوا عنهم بأنهم شتموا صدام في حضورهم. كان الناس يتناقلون أخبار القتل، ويواصلون الحياة بصمت وحذر. لم يكن المرء يجرؤ على السؤال عن سبب قتل جاره، بل وكان يصمت على قتل ابن عمه وأخيه .. فسيف "الثورة" كان مسلولا، ومنهمكا في مهماته ليل نهار. لكنْ، مع أن غربان الموت يمكن في مثل هكذا وضع أن تحط على أي رأس دون أن تثير سؤالا  أو تساؤلا، إلا إنها في لحظة ما يمكن أن تجعل الرؤوس ترتفع وفي عيونها تساؤل: لماذا حط الغراب على هذا الرأس؟ هذا هو ما حصل بالضبط حين أصيب معظم العراقيين بصدمة قاسية لنبأ إقدام نظام صدام حسين على قتل العالم الجليل المرحوم محمد باقر الصدر. يومها تساءلنا لماذا يُقتل محمد باقر الصدر؟ ما هي جنايته؟ ما هو ذنبه؟ لقد عرفنا الرجل عالما اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا أكثر مما عرفناه كرجل دين، وكان الرجل يؤسس لحوار في المجتمع العراقي عبر التعبير عما يمثله من فكر نيّر بدلا من إصدار فتاوى التكفير والتكريه. لقد حارب البعثيون الماركسية لنصف قرن، وقتلوا عشرات الآلاف من الماركسيين دون أن يبرز أحد من بينهم ليقول لنا ما هي مآخذهم على الماركسية، وما هو بديلهم عن الماركسية، فقد اكتفوا برفضها، واستمروا في قمع كل من كانت تصدر منه مجرد رائحة للماركسية، ثم حاولوا تشويهها ساعة رأوا فيها وسيلة لإضفاء صفة التقدمية على نهجهم الفئوي المتشنج. بينما انبرى محمد باقر الصدر ليقدم لنا نقدا بناء للماركسية، وبديلا عن فكرها، واقتصادها، وفلسفتها، عبر كتبه القيمة " اقتصادنا" و"فلسفتنا"، وغيرها في مجال البنوك. لا نتكلم عن مدى الاتفاق مع آراء الصدر، أو عدم الاتفاق مع طروحاته، ولكن لم يكن لأحد أن ينكر أن الصدر كان يؤسس لحوار جدلي يقيم نظام المجتمع على الفكر، والمنطق، والحوار - وهذا هو بالتحديد ما نحتاج إليه في المجتمعات العربية. هل كان لدى المرحوم الصدر شيء ليقوله ولم يقله في كتاباته؟ وكتاباته لم تفح منها لا رائحة الطائفية، ولا التحريض على هذا أو ذاك. إذن، لماذا كان لمحمد باقر الصدر أن يُقتل، وبعنجهية وهمجية؟

لقد قتل الآلاف في تلك السنة المشؤومة، التي قامت فيها الحرب ضد إيران ببضعة شهور بعد قتل الصدر بدم بارد. قتل الصدر لم يثر الاستياء وحسب، بل أثار موجة من الغضب الصامت في صفوف البعثيين قبل غيرهم لأن القاعدة "الواسعة" لحزب البعث كانت تتألف من جموع غفيرة من العراقيين الذين كانوا مستعدين للسير في ركاب "الأب القائد"، و"القائد الضرورة" إلى أقصى الحدود إلا عندما يتعلق الأمر برمز ديني عندهم مثل المرحوم الصدر، ولم يكونوا في دواخلهم مقتنعين بأي مبرر لارتكاب تلك الجريمة. كانت تلك الجريمة علامة فارقة، وشاهدا على أن النزعة إلى القتل تجاوزت الحدود، وأصبحت حالة مرضية فجرت أولا حزب البعث من داخله، ثم صارت تهدد بنسف أسس المجتمع العراقي برمته.

لماذ قرر صدام تصفية الصدر؟ سببان لا ثالث لهما، الخوف من الفكر، ثم الغرور والرغبة في إشعار الناس بأن النظام ليس عنده حدود يقف عندها، فالقتل يمكن أن يصيب أيا كان، بصرف النظر عن أي شيء، إن لم يذعن لإرادة صدام. أما الخوف فقاد النظام إلى حالة من العصبية والتوتر في التصرف دون أي حساب للعواقب. وأما الغرور فقاد النظام إلى الاستهانة بما في دواخل الناس، وإلى أن يصعّر خده ويمشي في الأرض مرحا لأن ظاهر العراقيين، ألسنتهم فقط، كانت تلهج باسم صدام - بالتأكيد لإبعاد غربان الموت من الحط على رؤوسهم، أما دواخلهم فكانت تختلف إلى حد كبير.

ربما يرى بعض الناس مبالغة في القول إن نظام صدام سقط، وأنه هو نفسه قُتل يوم أقدم على قتل المرحوم الصدر، ولكن تلك حقيقة واقعة، ليس فقط لأن صدام قتل نفسا بغير حق – فهو في الحقيقة لم يقتل أحدا بحق، وليس لأن صدام قتل شخصا كان العراقيون يكنون له الاحترام والتقدير كعالم ينشر المعرفة، بل لأن صدام خدع نفسه في ذلك اليوم إذ حسب صمت الناس قبولا. كان عليه أن يدرك أنه حين تجاوز حدودا أخلاقية مرسومة في أعماق الضمير الاجتماعي فإنه فتح بذلك الباب على مصراعيه ليتجاوز غيره أيضا تلك الحدود، ويقول له "البادي أظلم". لهذا لم يكترث كثير من العراقيين لإعدام صدام في يوم غير مناسب في نظام القيم العراقية، والعربية، والإسلامية، فهو نفسه لم يكترث قبل ذلك أيضا لنفس نظام القيم. نقول هذا وإن كنا من أنصار أن لا يكون الرد على الخطأ بخطأ مثله.

كان على الناس من حولنا أن يتعظوا بفعلة صدام وتجاوزاته على القيم الإنسانية بدافع الخوف والغرور. على الناس، إن برز بينهم مثيل لمحمد باقر الصدر، أن يعطوا الملأ فرصة ليستمع إلى ما يقوله هذا الإنسان، ويعرف ما الذي يمثله، بدلا من خنق صوته، والحكم عليه بالإعدام. لا أحد يتعلم من دروس التاريخ، فها هو الدرس يعاد اليوم في مملكة آل سعود. الخوف والغرور تمكنا من أركان هذا النظام فوضعا النظام وأركانه على الطريق التي سار عليها قبلهم صدام حسين ونظامه.

اليوم، تماما كما كان الوضع عام 1980 حيث غربان دانح وداعش السعودية منهمكة في نهش جثث آلاف مؤلفة من البشر، وحيث أصبح قطع الرؤوس ممارسة يومية بحيث أن الغربان يمكن أن تحط على أي رأس، ليس في العراق وحده، بل في كل العالم، يُصدر آل سعود حكم الإعدام على الشيخ نمر باقر النمر، والناس يرفعون رؤوسهم، ويتساءلون: لماذا يُحكم على الشيخ نمر النمر بالقتل؟ ما هي جريرته؟ ما الذي يقوله فيُخشى أن يثير الناس، ويشكل خطرا على نظام غني بمليارات النفط، ومتسلح من قمة رأسه حتى أخمص قدميه بأحدث الأسلحة الأمريكية، ومتحالف مع أعتى قوة امبريالية في العالم، ومتآخ مع كيان ليس أكثر من مستودع لسلاح الإبادة الجماعية، إسرائيل؟ ويتحكم بمنظمات إرهابية عالمية تبدأ بالقاعدة ولا تنتهي بداعش؟ كيف يمكن لشيخ أعزل، إلا من فكر نيّر وإيمان بالحق، أن يشكل خطرا على هكذا نظام؟

  نترك جانبا الكلام عن النفاق الأمريكي والأوروبي فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فنحن لا نتوقع من هؤلاء أن ينبسوا ببنت شفة في هذه الحال لأن "حقوق الإنسان" عندهم ليس إلا سلاحا سياسيا يرفعونه بوجه من يعارض أطماعهم، وجشعهم، ونزعتهم إلى نهب شعوب العالم. إنما نقول بضع كلمات في إدانة هذا الحكم الجائر بحق الشيخ النمر. ليس خافيا على أحد أن نظام آل سعود الذي أشعل نار الفتنة الطائفية بين المسلمين في كل مكان يسعى لإذكاء نار الفتنة، وإبقاء لهيبها مستعرا، لكنه يخيب شيئا فشيئا في مسعاه، فيتخبط في سلوكه لأنه أصيب حقا بما يمكن أن نطلق عليه متلازمة صدام حسين، فالخوف بلغ بهؤلاء حدا يرون فيه في حامل الفكر خطرا على عروشهم المحمية بأسوار الاستخبارات الداخلية والأمريكية والإسرائيلية، والغرور بلغ بهم حدا يستخدمون معه التمادي في ارتكاب الجرائم وسيلة لإقناع الناس بأنهم أقوياء إلى حد أنهم لا يبالون بالغضب الصامت؟

  لا نعتقد أن الشيخ النمر تفاجأ بحكم الفئة الباغية في الرياض، وله فيمن سبقوه على درب مقارعة الطغيان والفساد قدوة حسنة، وسيكون سعيدا إذ هو يعرف أن دمه ثمن لسقوط وشيك لقلعة الفساد والطغيان في الجزيرة العربية، لكننا نرفع صوتنا عاليا مطالبين المجتمع الدولي والدعاة الحقيقيين لحقوق الإنسان في العالم إلى التدخل لمنع هذا الكيان القرووسطي من الإيغال في دماء الناس.

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو