للكاتب رأي

النصر الكارثي في فرنسا

التاريخ: 12 /يناير 2015.

4343667990سارع الأغلب الأعم من مقهورين ومبهورين ومشهورين للتنصل والتنديد بعملية الهجوم على مقر الجريدة الفرنسية، ولا ضير في الإستبراء من النجس والإستنجاء من الدنس، ولكن هذا وحده لا يجيز لك صلاةً ولا يُحل لك إحراماً، دون إتمام الوضوء، فهذه الفرنسا التي تعبد إلهاً اسمه حرية، تستعبد أرباباً اسمها شعوب، وما لفضائح تاريخها الإستعماري من نضوب، وما زال سارياً في عروق حاضرها، وعليه فليس من المفيد لنا ولا لفرنسا، أن ننهل من ذروة إنسانيتنا المعذبة والمشردة استنكارات، لنصبّها في حضيض إنسانية فرنسا، فهي لن تمنحنا وسام الإنسانية ولو كفرنا بمحمدٍ وعيسى وربهما، أو حتى آمنَّا بعِجل بني إسرائيل، ففرنسا تقامر بعظمتها المهلهلة وهي تتبع الأمريكي حتى جحر الضُب، وهولاند لا يملك كاريزما الرفض، إنما يحاول مع فرنسا احتراف دور الضحية، فيما نسابقها نحن على احتراف التسخيف لنظرية المؤامرة، فالأمر مجرد إرهابيين قاموا بقتل صحفيين، فترد فرنسا بالإصرار على محاربة الإرهاب الناتج عن بقاء "النظام" السوري، وذلك بدعم المعارضين المعتدلين المؤدبين، الذين لا يعضون يد أمٍ آوتهم من خوفٍ وأطعمتهم من جوع، وهذا حتى تفيَّنا فرنسا حقوقنا التضامنية معها، أليس هذا عدلاً، أوليس هذا وفاءً، أوَهناك أشد وقاحةً من وفاء فرنسا وعدلها.

يقول المؤرخ أناتول فرانس "إنّ أهم تاريخ في حياة فرنسا، هو معركة بواتيه- بلاط الشهداء- حين هزم شارل مارتل، الفرسان العرب-المسلمين- في بواتيه، سنة 732م، ففي ذلك التاريخ، بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوروبية" كما وصفه بأنه النصر الكارثي، ونحن اليوم نعيش هواجس نصرٍ أشد كارثية، رغم أنه يخضع لقانون الاستحالات الفعلية، ولكنهم يريدون لنا أن نعيشه ولو وهماً، فتضيع بنا السبل ارتباكاً، ألا وهو نصر البربرية والهمجية القاعدية وكل مخلفاتها من الداعشية إلى النصراوية وما بينهما، ولكن ليس على الحضارة الغربية، بل على ما تبقى من أملٍ في حضارةٍ عربية، فالقاعدة هي امتداد طبيعي لذلك النصر الكارثي وتكرار له، فأوروبا والغرب المتوشح بالإنسانية لا يحتملان شارل مارتل آخر، فاقتضت الضرورة والحاجة لنصرٍ كارثيٍ آخر، يُبقي على ديمومة مفاعيل النصر الأول، فاخترعوا القاعدة، وحقنوها بمصل التفريخ الذاتي، من بن لادن إلى الظواهري والبغدادي والجولاني وعلوش ومعروف وكل منكر، حتى تستمر الهمجية والبربرية الغربية على حساب نهب ثروات الشعوب وإفقارها وإخضاعها وتجهيلها وتفتيتها، فالحرية هي مفهومٌ مطلق كما يدعي الغرب، ولكنها في الأصل مقيدة فقط بمصالحه، وهذه المصلحة هي الهمجية والبربرية المطلقة، فلا مصلحة له إلّا الحرية في السعي بكل السبل لصناعة تخلف الأمم وبالتالي استعبادها أو استتباعها كأضعف الحرية.

وما يلي فقرة أشد على النفس من وقع الحسام المهند، حيث نجد أنفسنا في حالة اضطرار للدفاع عن الإسلام، فلا سواه في قفص الإتهام دوماً، والحقيقة أنه أنقى وأسمى من الزج به في تلك الأقفاص، فيما السياسات الفرنسية أشد وضاعةً وانحطاطاً من الدفاع عنها، فالنبي عايش أقواماً أوغل جلافةً وأكثر همجيةً من "شارلي ايبدو"، لكنه لم يقتل، حيث كان هو القانون، باعتباره الرئيس والمشرّع، ولم يشرّع القتل لمجرد إهانته ومهاجمته، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، فيقول الله تعالى في كتابه الكريم "وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غيره"، ومنطوق الآية يوحي بأنه لا مانع من عودة الجلوس والتعامل مع المستهزئ بعد الكف عن الاستهزاء، ويقول أيضاً "واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا"، فحتى وأنت تجافي وتهجر من أساء إليك كن جميل الهجر، وللهجر الجميل شروط تجعله أسمى سلوك، ولكن سؤال ما يبرح يطرح نفسه، ماذا لو انتصرنا نصراً بهيجاً مشرحاً وليس كارثياً، وهو ليس هاجساً مستحيلاً، بل يقيناً مبيناً، وكان بإمكاننا كأمةٍ متحضرةٍ متسيدة، جلب "شارلي ايبدو" الصحيفة والنهج، إلى محكمة دولية، وصدر حكمها بالإعدام، حيث أنه نهجٌ بربري، يشكل خطراً على الإنسانية جمعاء، وحيث أنه يزرع الأحقاد ويبذر الحروب، وحيث أنه يتدنى بسمو الحرية إلى حضيض التحرر المتوحش، فهل سيكون هذا عدلاً أم شرعاً، وهل يتناقض الشرع والعدل.

إننا كأمة تجري من تحتها أنهار الدم، لا تملك من ترف الوقت وترف المشاعر أن ترفع شعار "كلنا شارلي ايبدو"، بل إنّ فسحة التاريخ تضيق علينا حد الخنق، إن لم نرفع ونمارس شعار "كلنا مقاومة"، أفلا نخجل من دماء الجيش السوري والعراقي وحزب الله والقيادة العامة وكل من قاوم، ألا نستحي من دماء الأبرياء في فلسطين واليمن وليبيا والبحرين، أن نرفع في وجوههم شعار "كلنا شارلهم"، وهذا ليس تأييداً للقتل بل استصغارٌ لخدشٍ فيهم، مقابل الطعن والذبح والحرق والنحر فينا، ومن هنا فلن نسمح بأن يكرروا نصرهم الكارثي وإن تغيرت الأسماء، وإن سمحنا لهم فنحن لا نستحق شرف الولادة.

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو