للكاتب رأي

جراثيم الأيدز الثقافي

التاريخ: 02 فبراير 2015.

10968388 813856215328787 1540265170850782719 nكثيرة هي الأسئلة التي تطرح نفسها على العقول، وتكافح من أجل أن تجد أجوبة عن نفسها، حتى ترتاح وتريح العقول معها. ومعظم هذه الأسئلة تدور اليوم عن الإرهاب الذي يرزح العالم كله تحت وطأة طغيانه، فلا تكاد تجد مكانا على الأرض تشعر فيه بالأمان، وأنت، أيها العربي، قد تجد نفسك في تقاطع النيران بين الإرهابيين وبين من يكافح الإرهاب، فرأسك مطلوب من كليهما. والكثيرون يسجلون في وعيهم أن مكافحة الإرهاب نفسها يمكن أن تتخذ شكلا مخيفا من الإرهاب، فإذا كان الإرهاب يطال عشرات، أو مئات، أو حتى آلافا من البشر، فإن أمنيات اليمين العنصري حول كيفية تطوير سياسات مكافحة الإرهاب ترسم ملامح صورة قاتمة لشعوب بأكملها، لمئات الملايين من البشر، على امتداد القارات كلها، إذ يبدو أن مكافحة الإرهاب يراد لها أن تصبح وسيلة داروينية للانتقاء القسري على قاعدة "البقاء للشيطان". هذه السياسات تتعمد الخطأ، فلو سألنا أي مواطن غربي (ليس عربي)، مثلا، عن رأيه في أسباب الإرهاب فإنه سيشير بإصبع الاتهام في الاتجاه الصحيح: السعودية وقطر. والأوروبي يرى، وهو محق، أن قطع الرؤوس، وجلد الصحفيين في السعودية هو إرهاب، ويعرف أن استضافة المباريات الدولية التي تشتريها قطر بالمليارات، تقوم على أكتاف عمال أجانب يعملون بأجر يومي مقداره سبعون سنتا أمريكيا، وهذا أيضا إرهاب. والسياسيون الغربيون يعرفون منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر أن السعودية هي مصدر الإرهاب، ومصدر تمويله. وهنا تأتي الأسئلة:

لماذا لا نتعامل مع مصدر الإرهاب، ونجفف منابعه، بل نكتفي بالتعامل مع صغار الإرهابيين، ونفتح أبواب أوروبا وأمريكا على مصاريعها للسعودية وقطر، ونتعامل مع زعمائهما وكأنهم نسخ من نيلسون مانديلا؟ خذوا مثلا، ما جرى في نواح قادة البلدان الغربية على موت ملك السعودية. الأوروبيون أنفسهم مصابون بالصدمة من مهزلة تصوير موت ملك أمي جاهل، كان متورطا في الإرهاب من قمة رأسه حتى أخمص قدميه وكأنه خسارة للبشرية المتحضرة. وهذا المشهد الهزلي جاء بعد أسبوعين فقط من مشهد هزلي آخر عندما اجتمع عدد من رموز الإرهاب في باريس لدعم فرنسا ضد الإرهاب!

لماذا لا تعترض الدول الأوروبية على غياب حقوق الإنسان في السعودية، ولو بتصريح صحفي من جون كيري؟ لماذا لا تقاطع الدول الأوروبية وأمريكا السعودية، ولو بحظر تصدير الفياغرا إليها، فينقطع نسل آل سعود خلال جيل واحد؟ طيب، تعاطف بسيط مع من يُجلدون يوميا، مثلا يرفض جون كيري تناول القهوة مع وزير خارجية السعودية احتجاجا على الجلد وقطع الرؤوس، أو إشارة بسيطة من البرلمان الأوروبي إلى أن منع النساء من قيادة السيارات في السعودية يتعارض مع حقوق الإنسان! القادة الأمريكان والأوروبيون ينافقون عندما يتحدثون عن الإرهاب وعن حقوق الإنسان.

مكافحة الإرهاب لا تطال رؤوس الإرهاب، بل تطال المسلمين الذين هم أنفسهم ضحايا الإرهاب. هناك الآن مؤشرات خطيرة على أن ملايين المسلمين في أوروبا نفسها قد يتعرضون في بعض البلدان، خاصة فرنسا، إلى محرقة "علمانية". ثم إننا نرى أن من يقف وراء الاضطهاد المتصاعد للمسلمين في أوروبا، إضافة إلى السعوديين والقطريين، هم الإسرائيليون، فإسرائيل هي التي تعمل على خلق شرخ بين مسلمي أوروبا وبقية أهلها. تريدون دليلا؟ آسف، الأخ الكبير يراقبني. إن الإرهاب العنصري ضد المسلمين يتذرع بشيء واحد وحيد، وهو الإرهاب "الإسلامي" الذي يتذرع بدوره بإهانة الأوروبيين لنبي الإسلام عبر الرسوم الكاريكاتورية. هذه المسألة هي البند الأول في صك التحالف بين إسرائيل والسعودية وقطر، والثمرة الأولى لهذا التحالف الشيطاني هو أن شعوب أوروبا تجبر على الاقتناع بأن أحد أهم قيمها، حرية التعبير، تتعرض للهجوم من المسلمين. وقوى اليمين العنصري تستغل هذه المسألة بشكل يجعل من احتمالات عودة النازية والفاشية إلى أوروبا أمرا واردا. ولكن انظروا إلى هذا الأمر: هناك من يقول إن الدنمارك بريئة من مسألة الرسوم براءة الذئب من دم يوسف، فالأشخاص الذين أثاروا هذه الفتنة يحملون جنسيات مزدوجة، إسرائيلية دنماركية مما يشير إلى دور إسرائيلي وراء الكواليس. ولكن من الخطورة بمكان الآن أن يذهب شخص إلى ماكنة البحث جوجول، ليحاول التأكد من حقيقة هؤلاء الأشخاص، لأنهم مهددون من الإرهابيين السعوديين، ولذلك فهم تحت حماية الأجهزة الأمنية التي بإمكانها أن تتقفى كل من يحاول البحث عن معلومات عنهم، وتشك في نواياه. لهذا تبقى مسألة الرسوم حتى إشعار آخر وكأنها تقع في إطار صراع الحضارات، أو تخلف المسلمين عن استيعاب حرية التعبير! بينما يصعب علينا التحقق من أن إسرائيل هي من تقف وراء تلك الرسوم.

ليس هناك من دليل على أن العرب أو المسلمين يخافون من حرية التعبير، أو يرفضونها، بل العكس هو الصحيح فالعرب هم أكثر الأمم ممارسة لحرية التعبير. خذوا مثالا واحدا، موقع العرب تايمز. على هذا الموقع يكتب الشيوعي، والقومي، والإسلامي، والمسيحي، ومرضى النفوس الذين يشتموننا بلغتنا وكأنهم ذراع إعلامي من أذرع الاخطبوط الصهيوني، بل وحتى الإسرائيلي يكتب ويخبرنا أن اليهود علموا البشرية أكل الدجاج، وكأن كل مكان تكشف فيه الحفريات عن عظام الدجاج كانت فيه، ربما قبل العصر الحجري، إمارة يهودية. أتحدى أي إعلام في العالم أن يكون حرا أكثر من إعلام العرب. المصيبة هي أن دعاة حرية التعبير يلاحقوننا حتى على المواقع العربية، ويحاولون منعنا نحن العرب من التعبير بحرية عن مخاوفنا من عودة النازية والفاشية إلى أوروبا. إنهم يريدون استخدام قوانين الإرهاب لتشمل حتى من يكتب على مواقع عربية حرة بامتياز. إنهم يختفون وراء أسماء وهمية يختارونها بعناية، مثلا سام أو سامية، ويقولون لنا "لماذا لا تعود إلى وطنك الأصلي إذا كانت النازية على الأبواب؟" حتى إذا أجبنا عليهم بشيء يتهموننا بكل سهولة بمعاداة السامية. نعم، معاداة سام وأخته سامية يمكن أن تفسر بمعاداة السامية. نحن نحارب الإرهاب بحق وحقيقة لأن أهلنا هم ضحاياه، بينما هم يتخذون من مكافحة الإرهاب وسيلة لإرهاب من لا يتفق معهم.

لكن، ليس هذا وحسب، بل إننا، نحن الذين نحارب الإرهاب بالفعل، ونتخوف من عودة النازية والفاشية عبر التحالف القائم بين اليمين الأوروبي والإرهاب السعودي، سنقاتل حيث نحن للحفاظ على الديمقراطية، والحريات كما يضمنها الدستور في بلداننا التي أصبحنا جزء من نسيجها، وما تزال القوى المعادية للنازية والفاشية هنا في أوروبا قوية، والقضاء الديمقراطي ما يزال قويا لن يستطيع اليمين العنصري تجريده بسهولة من قوته التي تجذرت في المجتمع. تريدون دليلا؟ في أوروبا، وخاصة في الدنمارك، نتعامل بالهوية المكشوفة في نقاشاتنا وحواراتنا. ولهذا يرى القارئ اسمي وصورتي وعنوان عملي إلى جانب كل مقال أكتبه لأني تحررت من الخوف، وأؤمن بالدستور وبحمايته لي، وحياة ثلاثين سنة في الدنمارك صفحات ناصعة في سجلي بأني مواطن يحترم الدستور. أما هذا الذي يريد أن يسلبني حقي في التعبير عن التخوف من عودة النازية والفاشية إلى أوروبا فشخص جبان، إن كان أوروبيا - دنماركيا بالذات، لأنه يعرف أنه عندما يخاطبني بالقول "لماذا لا تعود إلى وطنك الأصلي؟" فهو يخرق فقرة في القانون الدنماركي اسمها "فقرة العنصرية Racismeparagrafen"، فيعبر عن عنصريته من وراء اسم وهمي، إذ هو يعرف أنه لو كشف عن اسمه فلن تمضي إلا دقائق قبل أن يتم الإبلاغ عنه إلى الشرطة بأنه عنصري يريد أن يجرد بعنصريته من حق التعبير مواطنا منحه البرلمان الجنسيية الدنماركية قبل ربع قرن، وهو يتمتع بكامل حقوق المواطن. هنا بالذات يكمن خطر العنصرية على الديمقراطية، فإذا وجد العنصري في نفسه من الوقاحة ما يكفي ليدعي الحرص على حرية التعبير وفي الوقت نفسه أن يمنع أكاديميا دنماركيا من التعبير عن مخاوفه من عودة النازية، فكيف يتعامل هذا العنصري القذر مع المسلمين البسطاء؟ أية حرية يدافع عنها هذا المأزوم؟ وأي احترام للدستور هو أن يجعل من نفسه بديلا عن البرلمان، والقضاء والدستور، ويطلب من مواطن مثله، بل وربما أفضل منه سلوكا، أن يعود إلى بلده الأصلي؟ ومن أين أنت يا هذا؟ من غيتو في بولندا؟ عد إلى هناك لتتأهل للطلب من غيرك العودة إلى بلده الأصلي. نعم نحن نتخوف من عودة النازية والفاشية لأننا نعرف أن العنصرية والفاشية صنوان، والعنصريون يدفعون باتجاه إلغاء الديمقراطية وعودة النازية والفاشية.

المجتمع الدنماركي الذي أعرفه أنا هو المجتمع الذي يبني على مبدأ (at tænke stort) أي الترفع عن الصغائر، فأي عمل يدخل في خانة الصغائر إن لم يكن استفزاز مشاعر الناس؟ وبالمناسبة فأنا لا يمكن استفزازي، بل إن الرسوم المسيئة للرسول أيقظت في نفسي بركانا من الحب والاحترام للرسول الأكرم محمد، فهو أعظم وأنبل، وأشرف، وأصدق إنسان وضعه الله على الأرض. ويمكننا أن نقول من باب الحوار الثقافي أن الرسوم السفيهة المسيئة للرسول الأكرم، والتي صارت محور التقارب بين العنصريين والإرهابيين، لا علاقة لها بحرية التعبير وفقا للدستور الدنماركي، فالدستور الدنماركي، يضمن للشعب حريات لا حصر لها، لكن دائما تحت طائلة المسؤولية - يسمونها بلغة القانون الدنماركي الراقية (frihed under ansvar)، وهذه قاعدة تنطبق على كل الحريات، فهناك مثلا، ومثلا فقط، الحرية الجنسية التي هي إحدى السمات الرئيسية للثقافات الغربية، خاصة الاسكندنافية، لكن الحرية الجنسية لا تعني الفوضى، بل تمارس بمسؤولية أخلاقية، فالاغتصاب يعتبر جريمة، والاعتداء على الأطفال يعتبر جريمة، والمتاجرة بالرقيق الأبيض جريمة، بل وحتى إجبار الزوجة أو الصاحبة على المعاشرة الجنسية يعتبر اغتصابا يحاسب عليه القانون. من لا يعرف قصة أسانج (صاحب ويكي ليكس)؟ هذا الرجل ذهب إلى السويد لإلقاء محاضرة في مؤتمر، فعرضت عليه إحدى المشرفات على المؤتمر أن يقيم معها في شقتها، ورحب الرجل بذلك، وكجزء من سير العلاقة بين الإثنين في الشقة كان هناك سكر ثم ... على مبدأ ما ملكت أيمانكم، وقد اشترطت عليه المرأة المصون استعمال المطاط الواقي (الكوندوم)، وسارت الأمور على ما يرام حتى مطلع الفجر، لكنْ في ساعة حرجة تمزق المطاط فطلبت المرأة منه أن يتوقف، فلم يستجب لها، وواصل سوءته. وبعد أن ذهب السكر جاء الأمر، إذ إن المصون ذهبت إلى الشرطة وقدمت إبلاغا عن أسانج بأنه اغتصبها. والله!، وتعرفون أن أسانج ومنذ ثلاث سنوات معتصم في انجلترا ويخشى أكثر ما يخشى تسليمه إلى السويد. يعني الحرية الجنسية يمكن أن تتوقف عند حد، لحظة يتمزق المطاط الواقي مثلا، وتنقلب الممارسة إلى اغتصاب. كذلك حرية التعبير، لها حدود وقواعد، ويبيح القانون التمتع بها بشرط مراعاة المسؤولية، أي وضع مطاط واق على اللسان كي لا تنتقل جراثيم الأيدز العنصري عبر الكلام إلى ثقافة المجتمع، وإلا تنقلب حرية التعبير إلى سفه وانحطاط أخلاقي لا يدخل في مفهوم حرية التعبير في الدستور الدنماركي. لا أعرف فرنسا وأمراضها المستعصية على الحل، لكني أعرف أن حرية التعبير التي جمعت، عبر رسوم سخيفة، الإرهابي، والعنصري، والصهيوني، والنازي، والفاشي، على هدف واحد، صبيانية لا تستحق الاحترام، وهذه الصبيانية يحاول فرضها على الثقافة الدنماركية أشخاص عندهم أجندات غريبة، ويساعدهم على ذلك أشخاص من أمثالهم في الإعلام. السؤال هنا هو : لماذا تعمل إسرائيل بكل قوة على تمكين النازية من العودة إلى أوروبا تارة عبر التحالف مع الإرهاب السعودي القطري، وتارة عبر استفزاز مشاعر المسلمين، وتقوية اليمين العنصري الذي يمهد لعودة النازية، وهي التي صدعت رؤوس الناس خلال العقود الستة الماضية بالحديث عن الهولوكوست النازي ضد اليهود في ألمانيا؟

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو