ما هو تعريف العلمانية؟

الكاتب: المشرف العام التاريخ: 16 يونيو 2014.

secular-cultureيعرف معجم روبير العلمانية (بفتح العين)، نسبة إلى العالم (بفتح اللام) بأنها :"مفهوم سياسي يقتضي الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، الدولة لا تمارس أية سلطة دينية والكنائس لا تمارس أية سلطة سياسية". وهذا التعريف للعلمانية هو الذي صاغه محمد عبده في قولته الشهيرة "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين" وهو الذي صاغه الأزهري سعد زغول في قولته الشهيرة أيضاً:"الدين لله والوطن للجميع" وللتوضيح أكثر أقول توجد ثلاثة أنواع من الدول : الدولة الدينية، الدولة العلمانية، والدولة الإنتقالية. والدولة الدينية هي التي وجدت في العصور الوسطي، ولم تبق منها على أرض المسيحية إلا دولة الفاتيكان، وعلى أرض الإسلام الا الجمهورية الإسلامية الإيرانية والدولة السعودية والسودان ودولة طالبان التي سقطت سنة 2002؛ الدولة العلمانية هي الدولة السائدة اليوم في العالم المتمدن؛ والدولة الإنتقالية من الدولة الدينية إلى الدولة العلمانية وهي السائدة في الفضاء العربي الإسلامي. فما هي الدولة الدينية أي التيوقراطيةtheocratique كما تسمي في اللغات الأوربية؟ هي كما عرفها المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسف Flavius Joseph ، القرن الأول الميلادي، والذي نحت كلمة التيقراطية:" موسى (...) هو الذي أسس الثيوقراطية، واضعاً السلطة والقوة بيد الله"،أي أن الحاكمية الإلهية، التي تشكل النواة الصلبة في مشروع الإسلاميين، هي لله وحده. الدولة الدينية، حسب تعريف المؤرخ اليهودي، هي التي تطبق الشريعة التي جاء بها العقل الإلهي، وليس القانون الوضعي الذي وضعه العقل البشري . فما هي الدولة العلمانية؟ هي التي لا تتدخل في الشأن الديني ولا تسمح لرجال الدين بالتدخل في الشأن السياسي، وهي لا تطبق إلا القانون الوضعي. فما هي الدولة الإنتقالية من الثيوقراطية إلى العلمانية ؟ هي الدولة التي ينص دستورها على أن الشريعة هي المصدر الأول للتشريع، ولا تساوي بين الرجل والمرأة وبين المسلم وغير المسلم في حقوق المواطنة وواجباتها. المرأة وغير المسلم في هذه الدول الإنتقالية نصف مواطن وأحياناً صفر-مواطن، إذ لا يحق للمرأة مثلاً الترشح لرئاسة الدولة ولا حتى لمنصب أقل شأناً، فالمرأة مازالت تعامل في كثير من الدول الإسلامية كناقصة عقل في الولاية وناقصة دين في العبادة، والمواطن غير المسلم مازال يعامل كأهل ذمة ليس له من المواطنة إلا الإسم، وهي تطبق القانون الوضعي في مجالات والشريعة في مجالات أخرى. أراهن على أن الدولة الهجينة القائمة اليوم في الفضاء العربي الإسلامي، الدينية نصفاً والعلمانية نصفاً، دولة انتقالية . التاريخ يعلمنا أن العلمانية السائدة في العالم لن تقف عند تخوم الفضاء العربي الإسلامي، الذي لا مستقبل له خارج مستقبل البشرية. لم يوجد في التاريخ استثناء ثقافي قاوم طويلاً الاتجاه التاريخي الفاعل في الحقبة؛ إذن المسلمون، مثل باقي البشرية، محكوم عليهم بتبني الحداثة وبالتالي العلمانية. تسع على عشر من دول العالم حصرت الدين في المجال الخاص، والشخصي والروحي، تاركة المجال السياسي العام للدولة المهتدية بالعقل البشري ، أي بمؤسساته وتشريعاته وعلومه وقيمه.الدولة الدينية تستشير، في إعداد مخططاتها الدنيوية كالسياسة والاقتصاد ، الفقهاء، إذا لم يكن الفقهاء أنفسهم في الحكم. أما الدولة العلمانية فتستشير ، في الشأن الدنيوي الذي هو مجال اختصاصها الوحيد، الخبراء. وهنا يطرح سؤال أساسي نفسه: لماذا ظهرت الدولة العلمانية في الأزمنة الحديثة فقط؟ لأن الحداثة هي التي عرفت الفصل بين الزمني والروحي، أي بين الاختصاصات الدنيوية والاختصاصات الدينية التي لكل منها فاعلوها الإجتماعيون: للدين المؤمنون والفقهاء، وللدنيا المواطنون والخبراء. في العصور الوسطي كانت الدولة الدينية تتدخل في كل شيء . لسبب بسيط هو أن كل شيء كان ديناً. لم يعد ذلك ممكناً مع العصور الحديثة، منذ حوالي 5 قرون، التي سجلت، في الفضاء الأوربي، انتصار العقل البشري على العقل الإلهي. وهكذا انتزع العلم الوضعي ، بثمن باهظ وصل أحياناً إلى حرق العلماء أحياء، شيئاً فشيئاً استقلاله عن العلم الديني. وقد قال غاليليو للمحكمة الدينية التي كان يقف أمامها بتهمة الزندقة لأنه ، عكساً للكتاب المقدس، اكتشف إن الأرض مكورة وتدور حول الشمس، وليست مركز الكون بل قد لا تساوى حجم حمصة بالنسبة للكون كله ... قائلا لقضاته :"الكتاب المقدس يعلمنا كيف نمشي إلى السماء لا كيف تمشي السماء". وهكذا بدأ العلم، الذي لا يقبل ضوابط من خارج مناهجه، يستقل. ثم شرع الإبداع الأدبي والفني يستقل عن الكتاب المقدس، الذي كف شيئاً فشيئاً عن أن يكون موسوعة فزيائية وطبية وأدبية وفنية ...إلخ، أخيراً أعاد البابا جان بول الثاني الإعتبار لغاليليو وداروين ... لكن القرآن مازال عندنا موسوعة علمية وطبية وجغرافية وأدبية وفنية وتكنولوجية، وويل ثم ويل للعلماء الذين يتجاسرون على اثبات حقائق علمية تعارض آيات الذكر الحكيم "العلمية" !.

التعارص بين العقل العلمي والعقل الديني، بين حقوق الإنسان [ = حرياته ] وحقوق الله على الإنسان [ = عباداته وأوامره ونواهيه ] ، هو الذي قاد الغرب ثم العالم كله إلى العلمانية، إلى الفصل بين ما هو ديني وما هو دنيوي، الذي هو شرط شارط لتقدم الحضارة البشرية. وليس أمام المسلمين طريق آخر للإلتحاق بقاطرة الحضارة بدلاً من الانتظار الطويل على رصيف التاريخ.

الفصل بين المقدس والدنيوي وليد الحداثة. كلما عدنا القهقرى في التاريخ لاحظنا أن الفصل بينهما هو الاستثناء النادر والجمع بينهما هو القاعدة، الذي يصل إلى أعلى درجاته عند القبائل البدائية حيث كل شيء مقدس، تاريخ القبيلة مقدس، أسلافها مقدسون، شعائر الحمل والولادة والجماع والصيد مقدسة، والسلوك اليومي لأفرادها مقدس. الحياة الإجتماعية للقبيلة خاضعة جميعاً إلى شعائر عصابية وسواسية قهرية. عند هذه القبائل انتهاك المقدس عقوبته القتل. لماذا؟ لأن فكرة نسبية المقدس لا يقبلها إلا عقل متطور، أي دماغ معرفي على درجة كافية من التعقيد والاطلاع. أما أدمغة البدائيين فلم تتطور بعد بما فيه الكفاية لتصبح قادرة على هضم نسبية المطلق الديني وقبول أولوية العقل البشري على العقل الإلهي. اقترح على الباحثين انجاز دراسات مقارنة بين تصورات البدائيين للعلاقة بين الديني والدنيوي وتصورات الإسلاميين المعاصرين لها. وسيفاجئون بشبة كبير بينهما يصل أحياناً إلى حد التماثل بخصوص عبادة الأموات والأسلاف واعتبار كل شيء ديناً، والتعلق الوسواسي القهري بالشعائرو بالمطلقات الدينية وتكفير النسبي، والسببي، والعقلي، والمتغير، والتطوري، والتاريخي، والمستقبلي. للبدائيين عذرهم، فخضوعهم للطبيعة يكاد يكون مطلقاً. تحكيم العقل البشري، أي العلم والتكنولوجيا، في الطبيعة لتحويلها إلى حضارة، تماثل، بالنسبة لمستوى وعيهم السلفي، انتهاكاً لعبادة الأسلاف لن يمر دون عقاب من هؤلاء الأسلاف الغلاظ الشداد والثأريين. رقهم النفسي لأسلافهم يشل عقولهم عن التفكير المستقل. رق الإسلاميين النفسي لأسلافنا ، أي للنبي والصحابة والتابعين،لا يقل شلاً لعقولهم من عبادة الأسلاف لدى البدائيين. العقل الإلهي الذي جاء به الأسلاف هو كل شيء. أما العقل البشري ، الذي جاءت به أدمغتنا ، فهو لا شيء. يقول المودودي السني:"الإنسان، كما يزعم، لاحظ له من الحاكمية إطلاقاً (...) المسلمون جميعاً، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، لا يستطيعون تشريع قانون واحد (...) والحكومات لا تستحق طاعة، الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله، وتنفيذ أمره تعالي في خلقه". بالمثل يقول الخميني الشيعي :" ليس لهم [الناس] حق في تعيينه [الإمام] أو ترشيحه أو انتخابه. لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعدادا لتحمل أعباء الإمامة العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألا يعرف إلا بتعريف الله [ له] ولا يعين إلا بتعيينه. لذلك فليس للناس أن يتحكموا في من يعينه الله".الإستشهادان ، السني والشيعي ، أفضل تعريف للدولة الدينية الإسلامية المعاصرة القائمة، في السودان وإيران، أو التي قد تقوم في بلدان أخرى.

هل العلمانية ضد الدين؟

رأينا في تعريف معجم روبير للعلمانية أنها الفصل بين الدولة والكنيسة، أي بين الديني والدنيوي ليس إلا. بريطانيا دولة علمانية تماماً كفرنسا، لكن ملكة بريطانيا تحمل لقب "حامية حمي الكنيسة" وبإمكان المملكة المغربية أن تكون علمانية ويحمل ملكها، لقب "أمير المؤمنين" ، وبإمكان تونس أن تكون علمانية ويحمل رئيسها "حامي حمي الإسلام". يجب أن يكون المرء جاهلاً بتعريف العلمانية في المعاجم الأوربية، لأن أوربا هي أرض ميلاد العلمانية، أو سيء النية ، ككثير من قادة الإسلام السياسي، ليقول أن العلمانية ضد الدين. خاصة وأن العلمانية اليوم في البلدان العلمانية الصافية، كفرنسا، باتت علمانية منفتحة على كثير من الجوانب التي لا تضير في شيء المواطنة الحديثة ، التي تفترض المساواة بين الرجل والمرأة والمؤمن وغير المؤمن في حقوق المواطنة وواجباتها كافة. حياد الدولة العلمانية الفرنسية إزاء الدين لم يمنعها من أن تبني،من مال دافعي الضرائب سنة 1921، جامع باريس الشهير تكريماً لذكري الجنود المسلمين المغاربيين الذين سقطوا في معارك الحرب العالمية الأولي دفاعاً عن فرنسا، ولم تمنع اليوم وزير الداخلية الفرنسي، فيليب دوفلبان، المسؤول عن الشئون الدينية، من تكوين مؤسسة إسلامية خيرية لجمع التبرعات من المحسنيين لبناء المساجد والانفاق على الجامعة والمعاهد الإسلامية التي هي برسم الإنشاء. وقد تلقت هذه المؤسسة بمجرد إنشائها 800 مليون يورو من متبرعين لم يكشفوا عن هويتهم. أما الدولة العربية العلمانية القادمة فإن علمانيتها لن تمنعها من مساعدة ديانات جميع مواطنيها على قدم المساواة. وهذه العلمانية هي التي ستسود مع الوقت أرض الإسلام. على غرار تركيا العلمانية التي يوصيها دستورها ببناء دور العبادة لمواطنيها على اختلاف دياناتهم. فأي مانع من احتضان الدولة العلمانية للتعليم الديني شرط أن تسهر على جعله تعليماً دينياً إصلاحياً حديثاً يكون مواطني الغد الذين يعرفون المواطنة الحديثة، التي لا تميز بين الرجل والمرأة وبين المسلم وغير المسلم في حقوق المواطنة، ويعترفون بها دون تردد أو شعور بالذنب. ولكي يكون التعليم الديني إصلاحياً وحديثاً يجب أن يدرس التلاميذ والطلبة الدين بمساعدة علوم الحداثة: تاريخ الأديان المقارن، سسيولوجيا الأديان، علم النفس، اللأنثروبولوجيا الدينية، الألسنية، الهرمينوطيقا (علم تأويل النصوص المقدسة)، والفلسفة، لتنمية الفكر النقدي لدي الأجيال الطالعة. في تونس يدرس طلبة الجامعة الزيتونية الدينية الفلسفة الإسلامية والفلسفة الحديثة طوال السنوات الأربع. ويدرس طلبة كليات العلوم بما فيها الطب الفلسفة الحديثة طوال مدة الدراسة الجامعية. فلا شيء كالفلسفة والعلوم الإنسانية لتحصين العقول ضد دعاية الإسلاميين الدينية - السياسية. مثل هذا التعليم الديني الإصلاحي والحديث ليس مستحباً من الدولة العلمانية في الفضاء العربي والإسلامي بل هو فرض وواجب عليها لإعادة صياغة الوعي الإسلامي التقليدي وتحصين وعي الأجيال الطالعة ضد التزمت، والتعصب والإرهاب والتمييز الديني، أي النرجسية الدينية التي تأمر باضطهاد دين لباقي الديانات بل ونسخها .

هل تشكل العلمانية قطيعة مع جذورنا الإسلامية؟

تشكل العلمانية قطيعة مع الدولة الأوتوقراطية والثيوقراطية ، أي الدولة الدينية والمستبدة، دولة الخليفة الذي لا يعزله إلا الموت او الكفر البواح، أي الصريح، دولة جلد شارب الخمر، وقطع يد السارق، ورجم الزاني والزانية حتى الموت، ودق أعناق المفكرين الأحرار باسم الردة، وهضم حقوق المرأة والمواطن غير المسلم باسم الشريعة ، وحظر النحت والرسم والشعر والغناء والبحث العلمي باسم فقه القرون الوسطى ، واستحلال هدر دماء المدنيين الأبرياء وقتل الأجنة في بطون الإسرائيليات كما أفتى القرضاوي واغتيال الرئيس السادات وجميع الحكام المسلمين كما أفتى راشد الغنوشي ، باسم الجهاد وفقه الولاء والبراء الإرهابي ... هذه الفظاعات هي جذورنا المتعفنة التي علينا أن نقطعها ونقطع معها. لكن العلمانية تشكل إعادة اتصال بأفضل ما في جذورنا الثقافية مثل العقل الإعتزالي والفلسفي اللذين أخضعا النص المؤسس للتأويل العقلي، والإسلام الصوفي والدرزي اللذين حققا اختراقاً لا نظير له في العصور الوسطي : إلغاء شريعة العقوبات البدنية والفصل بين الدين والحكم. طبعاً ، العلمانية، بما هي إحدى أهم منجزات الحداثة، لم توجد في دولة القرون الوسطي، التي كانت من حيث الأساس دولة دينية. العلمانية الواعية بذاتها كانت في عداد الأفكار اللامفكر فيها. ومع ذلك ففي تراثنا الإسلامي ملامح علمانية غير واعية بذاتها لكنها واعدة، عندما يأتي زمانها، بالعلمانية الحديثة. مر النبي مثلاً ذات يوم على بعض ملاك بساتين النخيل فوجدهم يؤبرونها [=يلقحونها] فقال لهم لو تركتمها لكان أصلح. إمتثلوا لنصيحته، لكن نخيلهم فسدت، فجاؤوه محتجين. فكان رده عليهم :" ويحكم إنما أنا نبيكم في أمور دينكم؛ أما أمور دنياكم فأنا وإياكم فيها سواء"، أي أن نبي الإسلام أقر بالفصل بين الدين وعلم الزراعة. وفي غزوة بدر أراد أن ينزل بجيشه في موقع ظنه حصيناً، فسأله خبير عسكري من الأنصار:" يا رسول الله، هل هو الوحي أم هي الحرب والخديعة؟"، فأجابه بصدقه المعروف:"بل هي الحرب والخديعة"، فقال له الخبير العسكري:" ليس هذا بموقع فلنجعل البئر وراءنا فنشرب ولا يشربون". فعلاً كان عطش قريش أحد أهم أسباب هزيمتها. هنا أيضاً أقر النبي بالفصل بين الدين والاستراتيجيا. ومعروف أن الإمام علي، مستلهماً هذه السنة التي تفصل بين الاختصاصات الدينية والدنيوية، قد طلب من ابن عباس، عندما كلفه بمجادلة الخوارج، أن يستخدم في جداله معهم السنة النبوية لا الآيات القرآنية لأن "القرآن حمال أوجه" كما قال الإمام ، أي قابل لقراءات تعددية متعارضة نظراً لكثرة الآيات المتشابهات، أي الملتبسات والغامضات ، إذ أن الآيات البينات [ = الواضحات ] لا تمثل إلا 6 % من القرآن.

يذكر المؤرخ المصري، حسين مؤنس ، أن الصحابة الذين رفضوا المشاركة في الحرب بين على ومعاوية الذين كانوا يسمون أنفسهم بـ" الجالسين على الربوة" ومنهم عبد الله بن عمر، وأبو هريرة الذي ينسب له أنه قال " أصلي وراء علي فالصلاة وراء علي أفضل، وآكل على مائدة معاوية فالأكل على مائدة معاوية أدسم، وأجلس على الربوة والجلوس على الربوة أسلم".قد بايعوا معاوية بعد اغتيال علي ، قائلين له، كشرط لمبايعته ، نحن للأمة في أمور دينها وأنت للأمة في أمور دنياها. وهذا التقسيم للعمل بين الخلفاء والفقهاء بذرة علمانية مازالت لم تأتي أكلها بعد.

معاوية نفسه أسس مقدمات العلمانية عندما توقف عن الصلاة بالناس وسمي إماماً يصلي بالناس بدلاً منه. هذا التقسيم بين إمامة الدولة وإمامة الصلاة مشروع دولة علمانية لم يكتمل بعد. وبعد معاوية توقف خلفاء الإسلام عن الصلاة بالناس بينما رؤساء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدينية مازالوا يصلون بالناس، بالطبع، لأنها جمهورية دينية تكابر في التسليم بالفصل الضروري بين الدين والسياسة. تقسيم العمل بين الفقهاء، الذين هم للأمة في أمور دينها، والخلفاء، الذين هم للأمة في أمور دنياها، تواصل لمدة 14 قرناً، خاصة في الشرق، دون استثناء يذكر. الخليفة حاكم شبه دنيوي، بشرعية دينية : شرعية بيعة أهل الحل والعقد وشرعية الدعاء له في صلاة الجمعة، وتدخل تجديداته الدينية في باب "المصالح المرسلة" مثل تحريم الحلال . تقليدا لعمر الذي حرم على المسلمين نكاح المتعة المباح بأحاديث يرويها البخاري ومسلم وبالآية :" فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة" (24 النساء). يروي الطبري أن هذه الآية جاءت في مصحف ابن عباس، الذي حرقه عثمان فيما حرق من مصاحف :"فما استمتعتم به من هن [ إلى أجل مسمي] فأتوهن أجورهن". لذلك قال علي، كما يذكر الطبري عن نكاح المتعة :"لولا أن عمر نهي عنه ما زني إلا شقي". وحرم عمر أيضاً على الفاتحين المسلمين الزواج من الفارسيات، اللواتي أقبل العرب على الزواج منهن أفواجاً أفواجاً ، حتى لا تبقي نساء الجزيرة العربية عوانس. عموماً كانت مطالب الفقهاء من الخلفاء محصورة في الشأن الديني والأخلاقي مثل مطالبتهم لهم بالسهر على تطبيق الشريعة أو الرفق بأهل الذمة كما فعل أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، في كتابه "الخراج" عندما وصف لهارون الرشيد وصفاً مؤثراً التنكيل الذي يكابده الفلاحون عند أخذ الخراج منهم الذي قد يصل أحيانا إلى 90% من محاصيلهم . اعتبار جمهور الفقهاء السنة الشورى مجرد نصيحة غير ملزمة للأمير إقرار ضمني باستقلال الشأن السياسي عن الشأن الديني. بل إن الفقهاء السنة حرموا على أنفسهم التدخل في السياسة بالقاعدة القائلة :" طالب الولاية لا يولي". وقد شكلت هذه القاعدة عائقاً في وجه قيام حكومة فقهاء في الإسلام خاصة في المشرق. لم يشذ عن قاعدة طالب الولاية لا يولي، وقاعدة التقسيم الضمني للعمل بين الخلفاء والفقهاء منذ معاوية إلا الإسلام الوهابي الذي انتفض على الخلافة العثمانية باسم فقه شمولي متعصب لا يعترف بالفصل الطبيعي بين المجالين الديني والسياسي. تحالف الإسلام الوهابي مع آل سعود لتكوين المملكة العربية السعودية التي يحاول الجناح الإصلاحي فيها بقيادة الأمير عبد الله والأمراء المستنيرين كطلال بن عبد العزيز،التخلص من العائق الوهابي المتعصب وتحديث التعليم وشرط المرأة والتخلص من فقه "الولاء والبراء" الذي يحرم على المسلمين حكاماً ومحكومين تقليد حضارة غير المسلمين في أي شأن جل أو قل إلى درجة أن مفتى السعودية، آل الشيخ، كفر سنة 2004، بفتوى نشرتها "الأحداث المغربية" باعة الزهور لأنهم بذلك "يتشبهون بالكفار". كما حرم فقهاء الوهابية ، بمعية الشيخ يوسف القرضاوي ، الاحتفال بالمولد النبوي، الذي تحتفل به جميع بلدان العالم الإسلامي عدا السعودية وقطر الوهابيتين. لماذا حرموا ذلك؟ باسم فقه الولاء والبراءالعنصرى المنطوي على نفسه:"الاحتفال بالمولد النبوي تقليد للكفار، كما يقول القرضاوي، في احتفالهم بمولد المسيح" الذي كان يذكره نبي الإسلام محمد بـ"أخي عيسى" !.

شذ أيضاً عن قاعدة طالب الولاية لا يولي وعن قاعدة الفصل الضمني بين مجال الخلفاء ومجال الفقهاء ، الإسلام السياسي ، متمثلاً في الإخوان المسلمين ومن تناسل منهم، الذين كونوا حزباً دينياً سياسياً هدفه استعادة الخلافة وتكوين حكومة فقهاء لأول مرة في تاريخ الإسلام السني.

لماذا تتعارض الدولة الدينية مع الدولة العلمانية؟ وفي أي المجالات تحديداً؟

تتعارض الدولة الدينية مع الدولة العلمانية، لأن الأولي هي دولة القرون الوسطي حيث كان كل شيء دينا.ً والثانية دولة العصور الحديثة القائمة على الفصل المرن بين الشأنين الديني والدنيوي، اللذين لا يتعاديان بل يتكاملان، شرط أن يبقي كل منهما محصوراً في مجال اختصاصه الأساسي. تتعارض الدولة الدينية مع الدولة العلمانية خصوصاً في مجال المواطنة : التفاوت بين الرجل والمرأة وبين المؤمن والمواطن، أي المسلم وغير المسلم، تفاوت جوهراني Essentialiste في الدولة الدينية التي لا تعترف للمرأة بحقوق المواطنة وتعترف للمؤمن بدينها فقط بحقوقه كمؤمن لا بحقوقه كمواطن . أما غير المؤمن بدينها فتعامله كعدو بالقوة أو بالفعل. أما في الدولة العلمانية فالرجل والمرأة ، والمؤمن والمواطن متساوون كأسنان المشط لا فضل لأي منهم على الآخر في حقوق المواطنة. الدولة الدينية تتصرف مع رعاياها بمنطق العصور الوسطي التي تعتبر الإنسان قاصراً، أي عاجزاً عن وضع قوانين ينظم بها قواعد العيش المشترك، أي علاقة المواطنين بعضهم ببعض وعلاقة دول العالم بعضها ببعض.

لماذا يقرن الإسلاميون العلمانية بالإلحاد؟

لتأليب جمهورهم عليها،ولأن مبرر ظهورهم هو محاربة الحداثة . والعلمانية تمثل إحدى أركان الحداثة بما هي ذروة العقلانية الديمقراطية. لماذا يكفر الإسلاميون الحداثة؟ باسم الحاكمية الإلهية، التي هي لب مشروعهم الديني – السياسي و باسم فقه الولاء والبراء الذي يكفر خاصة منذ ابن تيمية التشبه بـ"الكفار"، أي تبني أزيائهم وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم وعلومهم ومؤسساتهم. لكن علينا نحن العلمانيين أن نمتلك شجاعة قناعاتنا ونصدع بها في وجه الإسلاميين الذين هم في الواقع رد فعل مذعور على الحداثة العالمية واحتمالات دخولها إلى أرض الإسلام. مخاوفهم في محلها. فالحداثة اليوم اتجاه تاريخي لا يصد ولا يرد. وستصل إلينا كما وصلت إلى قبائل الإسكيمو ! بل أجازف بالقول بأن الإسلاميين قد يكونوا أداة التاريخ اللاشعورية لإدخال العلمانية إلى أرض الإسلام. بعد ربع قرن من قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، يتباهى طلبة قم بأنهم علمانيون. 75% من الشعب و86% من الطلبة، توقفوا عن أداء الصلاة، حسب احصائيات بلدية طهران.المسلم الذي لايمارس الشعائر الدينية هو مسلم علماني. المساجد والجوامع التي كان يصلي فيها في عهد الشاه 3000 – 5000 مصلي، لا يصلي فيها اليوم صلاة الصبح إلا 10 أشخاص وصلاة الظهر 25 شخصاً. 2 % فقط يصومون رمضان من شعب كان قبل ظهور الجمهورية الإسلامية صواماً قواماً ! السودان الصوفي، تخلت فيه نسبة مهمة من شبابه عن الإسلام بفضل حكم الإسلاميين . على العلمانيين أن لا يخشوا من استيلاء الإسلاميين على الحكم في أرض الإسلام خاصة في الدول التي تطبق الإسلاموية من دون الإسلاميين. فبعض البلدان لن تنتقل إلى العلمانية بسرعة قياسية، أي لن تتجاوز الإسلام السياسي والجهادي والسلفي إلا إذا طبقته وذاقت طعمه المرير عندئذ ستيأس منه. أطروحة فلسفة التاريخ الهيجيلية القائلة " لا سبيل لتجاوز مرحلة تاريخية إلا إذا تم تحقيقها" برهنت وقائع التاريخ على صحتها. خطأ لينين الكارثي على الحركة الاشتراكية هو قناعته الإرادوية بإمكانية "حرق المراحل"، انطلاقاً من "الحلقة الضعيفة في الرأسمالية" : روسيا. ماركس كان، كهيجل، مقتنعاً باستحالة حرق المراحل التاريخية وبضرورة تحقيق كل مرحلة تاريخية لتجاوزها. لذلك عارض ثورة عمال باريس 1871 لقناعته باستحالة المرور إلى الاشتراكية في فرنسا التي كانت مازالت حينها لم تحقق المرحلة التاريخية الرأسمالية التي ، لم تحققها يومئذ، في تقديره إلا بريطانيا.

العلمانية، كما هي سائدة في العالم، اتجاه تاريخي عارم. الإسلاميون لن يصمدوا طويلاً أمامه . لماذا؟ لأننا كلما عدنا إلى الوراء في التريخ وجدنا أن مساحة المقدس تغطي كل سطح الكرة الأرضية وكل سطح الحياة اليومية . فكل شيء مقدس، والإنسان لعبة الآلهة التي تتحكم في الكبيرة والصغيرة. لماذا؟ لأن العقل البشري ، أي العلم والتكنولوجيا ، كان مازال ، في مراحل تطوره الأولي، عاجزاً عن فهم وتفسير وتغيير العالم الذي يعيش فيه بقوانينه الخاصة. كان لابد له من الاستنجاد بالفكر السحرى الإحيائي، ثم بالفكر الأسطوري ثم بالفكر الديني ليفهم ويفسر ويغير عالمه. لكن في القرن السادس قبل الميلاد حقق العقل البشري، في مسار تطوره، قفزة نوعية فبدأ العقل البشري التحليلي والتجريبي ينافس العقل الإلهي في فهم وتفسير وتغيير العالم. هزم العقل أمام الأسطورة. لكن الحرب بين العقلاني والأسطوري ظلت سجالا . فما لبث أن نهض من هزيمته لينافسه يوما له ويوما عليه. لكن الاتجاه التاريخي كان دائماً متجهاً إلى فتح العقل البشري لمساحات أوسع فأوسع على سطح الكرة الأرضية وعلى سطح الحياة اليومية في مجال الفصل بين اختصاصات العقل الإلهي الروحية واختصاصات العقل البشري الدنيوية. مثلما قيد العقل البشري سلطة الملوك المطلقة ، قيد أيضاً سلطة العقل الإلهي المطلقة لكي تنحصر في المنطق الروحي الحدسي وتتخلي عن الباقي لمنطق العقل التحليلي وللتجربة العلمية . العقل البشري السوي ديمقراطي إذن يعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر. كيف حقق العقل البشري هذه الفتوحات العلمانية في عالمنا المعاصر؟ بالعلم والتكنولوجيا اللذين يساعدان العقل البشري على فهم وتفسير ما كان يتراءي للإنسان معجزة. مثلاً كان رائد الفلسفة العقلانية الحديثة، ديكارت، يعتقد أن قوس قزح لا تفسير عقلانياً له لأنه معجزة إلهية، أي من اختصاص العقل الإلهي. لكن لو تبني اليوم تلميذ في الباكالوريا (الثانوية العامة)تفسير ديكارت في امتحان الفلسفة لنال صفراً. لأن العلم يعلمه اليوم، وفي الباكالوريا بالذات، أن قوس قزح ظاهرة جوية ناتجة عن انكسار وانعكاس أشعة الشمس في قطرات المطر. تقدم العلم والتكنولوجيا اتجاة تاريخي لا رجعة فيه. فأمم العالم المتقدم تتنافس في اكتساب مزيد من العلم والتكنولوجيا ، وأمم العالم المتأخر تحلم بهما أو تسعى جاهدة لإكتسابهما. احتكار العقل العلمي والتكنولوجي لفهم وتفسير الظواهر الاجتماعية والظواهر الكونية لنزع القداسة المزعومة عنها، لا يماثله إلا احتكار المنطق الروحي لفهم وتفسير الظواهر الروحية حدساً. هذا الإحتكار العقلي والروحي معاً لا يتم بدون ممانعة ودون مقاومة من الإسلام السياسي المعاصر الذي يقاوم منطق العقل العلمي ومنطق الروح الصوفي . لكنها مقاومة محكومة بالفشل بمقياس الخط البياني للتطور التاريخي منذ ظهور العقل البشري في القرن السادس قبل الميلاد إلى الآن حيث تحكم في المتناهي في الصغر (الذرة) والمتناهي في الكبر (الأفلاك) والمتناهي في التعقيد (الدماغ الإلكتروني) . ولأن الإسلام الصوفي هو الإسلام الشعبي الذي لم يستطع الإسلام السياسي حتى الآن نزع الشرعية عن رسالته اللاعنفية والعزوفة عن التدخل في السياسة .

 

أضف تعليق

يرجى عدم الإدلاء بالتعليقات المسيئة للأشخاص أو الأديان أو المعتقدات الدينية. وحصر التعليقات على موضوع الصفحة...

كود امني
تحديث

send-article

مقــالات

الشهيد الخالد سلام عادل في ذاكرة العراق

Ar-Radi
تصدر في بغداد شهريا مجلة بعنوان ( أوراق من ذاكرة العراق ) يحررها الصحفي والاعلامي شامل عبد القادر، يتناول كل عدد منها…

الخوف من الحسين

556ggg
هل صحيح ان الغرب والولايات المتحدة ومشايخ الخليج تصدق ان رفع شعار الحسين من قبل الحشد الشعبي في العراق، هو سلوك طائفي؟…

1.5مليون عراقي فقدوا حياتهم 

ماذا فعلت الامم المتحده ومنظماتها 

ماذا فعلت منظمات حقوق الانسان 

مجموعه من الكذابين تجار الكلمه 

والدم لاغراض سياسيه ....نحن 

نحتقركم 

 

بلا رتوش

أحد تنابل ال سعود.... العريفي

10441041 10203840062036190 845298716187010182 n
الى متى تبقى الشعوب العربيه تساق الى المذبح ؟ أين المثقفين ؟ أين الاحزاب اليساريه ؟ يا حيف !!!!

إستفتـــاء!

الموضوع: هل تعتقد أن مشروع القانون الجعفري يعمق الانقسام المذهبي والمجتمعي في العراق ؟

نعم - 86.7%
لا - 13.3%

من مكتبة الفيديو