|
من يملك الحقيقه كامله |
|
البديل الديمقراطي روح الانسان مرهونة بحريته تاسست 2003 |
الدين لله والدوله والوطن للجميع |
|
الارشيف |
مواقع | admin@albadeal.com | |
دردشة ..........يوسف أبو الفوز

haddad.yousif@yahoo.com
ثقافة التواضع !
استعدت مع نفسي العديد من الحكايات عن تواضع الكثير من العظماء ، من كتاب وفلاسفة
وسياسين على مر العصور والقرون ، ووجدت ـ عزيزي القاريء ـ ان التواضع في شخصياتهم
وسلوكهم كان صفة اساسية عكست عمق ايمانهم بالمباديء الجميلة والنبيلة التي دعو
اليها ومارسوها في حياتهم ، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تذكرت الكاتب العبقري
انطوان تشيخوف (1860ــ 1904)، وهو طبيب ، ومشاركته لمرضاه من الفقراء طعامهم
وجلساتهم، بحيث سبب ذلك أصابته بالسل الرئوي الذي اودى بحياته ، وتذكرت تواضع
الفيلسوف الكاتب ليو تولستوي (1828- 1910)) الذي عاش حياة المزارعين البسطاء تاركًا
عائلته الثرية المترفة، وعند اقتراب لحظات موته في محطة قطار فقيرة ، قال : "وأخيرا
أموت كما يموت أي فلاح روسي!"، وذات الامر يمكن روايته عن تواضع المفكر العراقي
الناسك هادي العلوي (1933 - 1998) الذي أمتاز بصفات خلقية نادرة ، وانشاءه "جمعية
بغداد المشاعية " التي كان ينفق من خلالها على المحتاجين ، الذين يشابههم في حياته
البسيطة ، كل ما يحصل عليه من عوائد كتبه ، وهناك غيرهم كثير من العظماء الذين
يمنحهم تواضعهم الانساني الجم صفة السنابل الغنية بالحبوب المنحنية بخشوع ، عكس
السنابل الفارغة المنتصبة بشموخ مقيت . اورد هذا وهناك حكايات كثيرة منثورة في بطون
كتب السيرة ، مستذكراً أهمية التواضع كسلوك انساني وثقافة في حياة الانسان عموما،
والمثقف خاصة ، والتفكير بهذا الامر بدأ عندي ساعة ان روى لي صديق عن شاعر ضمه
واياه مجلس ، وكيف راح الشاعر يتحدث بتعال ويمسك فنجان القهوة بأطراف اصابعه كأنه
مصاب بداء النقرز ، ولم تسقط عبارة "أنا ... " من لسانه ، وراح يحدثهم عن مدرسة
شعرية ومزاياها ، لكن الغريب ان هذا الشاعر ـ وهو حقا شاعرـ يتحدث عن مدرسة ينسبها
الى أسمه ! وصدّم صديقي ، وتمنى لو أنه ظل يقرأ لهذا الشاعر فقط بدل السعي للقائه،
فلربما يمكن لكاتب في امسية او محاضرة وحتى مجلس ، ان يتحدث عن اسلوبه في الكتابة
وطريقة عرض افكاره والعناصر الحرفية التي يستعين بها اثناء الكتابة ، وربما يوضح
الاطر الفكرية والجمالية التي يمارسها خلال الكتابة، وقد يمنح لاسلوبه مسميات مدارس
ادبية ، اما ان يسمي ما يكتبه مدرسة وينسبها الى أسمه مرة واحدة ، فلعمري ـ عزيزي
القاريء ـ ان فرويد وتلامذته وكل عشيرة علم النفس ، سيجلسون عند باب شاعرنا الصنديد
ليراجعوا معه كل نظرياتهم وما كتبوه حول النرجسية وثقافة الانا بأعتباره المثل الحي
الاعلى لكل ما كتبوه ! لقد قال لنا علم النفس ، بأن هذا النوع من الناس يكون عادة
متعجرفا ، فمرض النرجسية يجعله على درجة عالية من التحسس من الاخرين وارائهم وتقبل
ملاحظاتهم ، خصوصا النقدية اذ يعتبرها انتقاصا من انجازاته وميزاته المتفردة ،
ويكون بحاجة دائمة الى سماع الاطراء ويحب الاضواء ومن أجل ذلك تجده يكون نشطا في
مسح الجوخ والتذلل لاصحاب النفوذ والقرار ، ويكون من الصعب التعامل والتواصل معه من
قبل بسطاء الناس ، لأنه لا يهتم بمن حوله ولا يهمه ما يعانون وما يفكرون ، فهو
يعتقد انه على معرفة تامة بكل أمور الحياة ، فما الحاجة للاخرين ، بل أن اخطر ما
تحمله النرجسية وثقافة الأنا ـ عزيزي القاري ء ـ انها تجعل من ابتلى بها ، بشكل
واضح ، مطية لثقافة الكراهية ، ويكون من عاداته ان يقدم الوعود بلا حدود، ولكنه
قلما ينفذ شيئا مما وعد ، لانه لا يعرف حقيقة امكاناته وقدراته ، ولطالما ظن انه
قادر على كل شيء ، وقادر على انجاز فتوحات فكرية وعلمية وفنّية !
في رحلة البحث عن سقف آمن خارج الوطن الذي ابتلى بدكتاتورية بغيضة ، قضيت عام 1994
في السجون الاستونية ، لعدم امتلاكي اوراق قانونية كاملة ، وكان معي حوالي مئة
عراقي من العرب والاكراد ، واختاروني ممثلا لهم امام السلطات الاستونية، اتصلنا
وكتبنا وعرضنا قضيتنا الى العديد من برلمانات الدول الاوربية ، ونفذنا اضرابات عن
الطعام، وزارنا ممثلي العديد من المنظمات الانسانية ، وكنا نسمع كل مرة العديد من
الوعود ، حد ان امام جامع في دول اوربية وعدنا بتزويج العزاب منا ، وزارنا "كارل
اوغسطين " ، ممثل منظمة الامل من فنلندا، وهي منظمة تقدم العون والدعم للاجئين، كان
بملابس بسيطة ، وقليل الكلام جدا ويتحدث بهمس ، استمع الى شكوانا ومطاليبنا ، وسجل
في مفكرة يحملها معه كوننا نريد ضمانا دوليا ان لا يتم تسليمنا الى نظام الديكتاتور
صدام حسين ، وضرورة نقلنا الى دولة اخرى ما دام استونيا ترفض منحنا حق اللجوء ،
ونتمنى ان تساعدنا فنلندا في ذلك ، كارل اوغسطين ، صديق الشعب العراقي ، يومها لم
يقدم اي وعد، شد على يدي بقوة ، وقال كلمة واحدة بالكاد سمعتها :"سأحاول "!، ومنه
تعلمت درسا بليغا في التواضع ، فبعد عدة شهور اثمرت محاولته ، وكان ينتظرنا جميعا
عند بوابة السجن في طريقنا الى الحرية والامان !
وسنلتقي !
* عمود دوري ، عن الملحق الثقافي الاسبوعي لصحيفة المدى البغدادية / العدد
1717الاحد 7 شباط 2010