|
|
|
|
بعيدا عن ثقافة
الأنتقام
محمد محبوب
أستوقفني أعلان منشور في صحيفة جنرال أنتسايغر الألمانية حول أقامة سوق شعبي في
مدينة بون لبيع الأشياء المستعملة والقديمة حيث نص أحد شروط المشاركة على منع عرض
وبيع المواد التي تُمجد النازية أو تروج لها.
والمفارقة الغريبة هنا ليس في ألتزام الألمان وحرصهم الدقيق على مكافحة النازية
بالرغم من مضي أكثر من نصف قرن على سقوطها ، لأنهم يدركون مدى خطورة هذا الفكر
الأجرامي الذي أنتج لهم دكتاتورية مدمرة ألحقت الهزيمة والعار بألمانيا ..
المفارقة الغريبة في هذا القانون الفوضوي المسمى أجتثاث البعث الذي نجح حتى الآن أو
كاد في أجتثاث نفسه فقط ، في الوقت الذي يتم فيه سرا وعلنا التصالح مع البعث وربما
يكون ذلك تمهيد لعودته الى الحياة السياسية وأن يكن تحت مسمى أخر ( حزب العودة ) ،
أما المواد والكتب التي تُمجد وتروج للبعث ولصدام فلا تزال في متناول الأيدي ، ولعل
الخطوة اليتيمة الوحيدة الجدية التي قامت بها هيئة أجتثاث البعث تتمثل في رفع بعض
التماثيل والنصب التي تمجد البعث أو الدكتاتورية.
الألمان لم ينطلقوا في معالجتهم لملف النازية من رغبة في الأنتقام والتنكيل ورفع
شعارات الموت بل من وعي دقيق بأهمية أزالة أثار الثقافة النازية من المجتمع
الألماني وكانوا يدركون أن تحقيق هذا الهدف يحتاج الى سنوات طويلة ولاتزال القوى
الأمنية الألمانية حتى يومنا هذا تعالج بين الحين والأخر خلية نازية هنا أو هناك في
أوساط الشبان بالرغم من مرور أكثر من خمسين عاما على سقوط النازية في ألمانيا.
عندما توجه سؤالا لأي عراقي أو عراقية تصادفك على ناصية الطريق عن معنى أجتثاث
البعث في العراق فأن الجواب سيكون ببساطة هو طرد البعثيين من الوظائف الحكومية ،
وهذا هو بالفعل المعنى الفعلي لقانون أجتثاث البعث ، لم نسمع حتى الآن بمحاكمة بعثي
واحد عن جرائم أرتكبها بصفته الحزبية ، الأمر الذي شجع على قيام ميليشيات حزبية
بتنفيذ أغتيالات لبعثيين صغارعلى نطاق واسع في مدن الوسط والجنوب بعد أن هربت
القيادات البعثية في هذه المدن الى خارج العراق أو أحتمت بعشائرها القوية أو دخلت
الأحزاب الدينية بصفة توابين وأصبحت بين ليلة وضحاها قيادات في هذه الأحزاب.
القوانين والأوامر الأجتثاثية التي أصدرها الحاكم الأمريكي بريمر التي أفرزت جيشا
كبيرا من العاطلين عن العمل والمتذمرين من العراق الجديد ، قطع أرزاق مئات الألوف
من العاملين في الدولة ، طرد البعثيين ومنتسبي الجيش الشرطة أسس قاعدة عريضة
لأنطلاق الأرهاب في العراق الذي لن تنجح في أيقافه مبادرة للمصالحة جاءت في الوقت
الضائع.
وكان الأجدى أن تُشكل محاكم في مدن العراق كافة لمحاكمة البعثيين المتهمين بأرتكاب
جرائم وأن تتولى الدولة والمجتمع حماية ممن تثبت براءته ، لا أن يُترك الناس القوي
يأكل الضعيف دون حسيب أو رقيب كما أنتعش عمل العصابات التي تنفذ أعمال الأغتيالات
لقاء أجر مدفوع والتي طالت في الفترة الأخيرة حتى صغار البعثيين من المؤيدين
والأنصار.
لا ينبغى التراخي ولو لحظة واحدة في أجتثاث الثقافة البعثية الصدامية أو أزالة
آثارها من المجتمع العراقي ، كما يتعين على الحكومة أن تقدم البعثيين الذي قاموا
بأرتكاب جرائم الى القضاء وأن لاتسمح للمشمولين بقانون أجتثاث البعث بتسلم مواقع
قيادية في مؤسسات الدولة كافة وأن تجرم الأحزاب التي تتعامل معهم كتوابين وتحتضنهم
وتجعلهم في مواقع قيادية.
الذين أطلقوا ثقافة الأجتثاث كانوا مكبلين بثقافة الأنتقام التي تشبعوا بها في
منافيهم بأيران ودول أخرى ، ثقافة الأنتقام هي التي أنتجت لنا هذا الأنتشار
الأنشطاري للجماعات الأرهابية التي تحصد أرواح العراقيين من ثلاث أعوام ، كما أفرزت
لنا هذا التخندق الطائفي الخطير الذي يهدد بأندلاع حرب أهلية واسعة في البلاد.
ولعل مبادرة المصالحة التي أطلقها السيد رئيس الوزراء نوري المالكي وأن جاءت متأخرة
بعد خراب البصرة ـ كما يقول المثل ـ تنجح في أصلاح ماأفسدته ثلاث أعوام من هيمنة
ثقافة الأنتقام التي أغرقت البلاد في دوامة الفوضى وأزهقت أرواح الألاف من
الأبرياء.