عوده للصفحة الرئيسيه

مزروع انا بديرتـــــي ..
حسن حاتم المذكور

الروح المثقلة بجروح الوحشة , المحكومة بالغربة المؤبدة .. تنتظر على ابواب حلم العودة الهارب منذ اربعة عقود ثم تجده مقتولاً تحت اقدام الهاربين الجدد من ذلك الوطن الذي يعاد قتله’ تودع امنيتها الأخيرة , في ان تعود متكاءة على آخر نوبات سعالها , علّها تدرك هدفها الآخير في ان تسقط ميتة في اقرب بقعة من تراب الوطن ليكون كفنها ( شيلة الأم ) لتغتسل في عطرها آخر فردوساً تتمناه .
ما كنت ارغب’ ويفزعني ان اتصور نفسي مكافئاً بذبحي فاقد الرأس والأطراف بين اشلاء الأبرياء من ابناء وطني في زوايا اكوام القمامة ’ فضلات تركتها شهية الكلاب والقطط والغربان السائبة .
اتصل بي اخوتي من العراق .. قالوا :
كل شيء عندنا قد تغير... حالات الموت .. توقيتها .. مصادرها.. بشاعاتها .. كذلك طريقة مشينا والتفاتاتنا وانفعالاتنا وثقتنا ببعضنا وحتى اسباب اسهالاتنا وتقيئنا والتعبير عن شهواتنا .. استقر الخوف رمداً في عيوننا وتجمع الذعر في قلوبنا .. ان حالات انتظار الموت امراً مرعباً واصبح مألوفاً ..
مشتاقون .. لكن متّ هناك كما يموت البشر .. القتل والتمثيل والتقطيع فاجعة يومية تمثل في الشارع العراقي , لها ابطالها وجمهورها ومخرجيها ومموليها , لم يبقى الأن الا ان يقطع الأنسان العراقي ثم يطبخ او يقلى ويؤكل , هذا ان لم يحدث الآن فعلاً في اوكار المجاهدين .. فأننا ننتظره .
كل شي تمت سرقته , الثروات .. الأنسان .. القيم والتقاليد .. وحتى لا يسرقوك او يشتروك صوتاً او قلماً او يقتلوك ثم يمسحون اثار دمك بأذيال عمائمهم .. تجنب العودة .. انهم مصابين بلوثة الضمير .. مسلحين بالقسوة وموهبة التزوير واذا قررت العودة , فكن شهيداً اولاً .
في مؤتمر العشائر العراقية للمصالحة والغاء قانون اجتثاث البعث واعادة جيشه ومؤسساته واجهزته على رقاب الناس , افتقدت عشيرة الزيرج .. عشيرتي التي اعرفها جيداً .. تذكرت تاريخها وابناءها .. فعل ضمد الشرشاحي اول فلاح شيوعي في العراق , دحام منحوش , عاتي حسين , سالم سريح , وشنيشل حاتم والصابئة المندائيين نعيم زغير وبشير زغير واستاذ عدنان وغيرهم .
تذكرت الثوار مجهولي الأسم الذين يسهرون في مضايف الزيرج ثم يغادروها نهاراً حيث معاقلهم في الأهوار .
تذكرت والدي حاتم الحاج مذكور واعمامي فنجان العبل وعبد البتاري وعبد الرضا العاتي وغيرهم من قادة انتفاضة عشيرة الزيرج عام 1952 وتطبيقهم قانون ( الأرض لمن يزرعها ) ثم انتكاستهم وشهدائهم وسجنائهم .
تلك العشيرة الوطنية واليسارية لا يمكن ان يكون مكان ابناءها بين تلك الرموز الأصطناعية التي تكونت في بيئة المرحلة السوداء للتسلط البعثي , ولا يمكن لتاريخها الوطني ان يتلوث بأوحال مؤتمر المصالحة .
تذكرت عشيرتي واهلي وعيون الهور التي تحرس ديرتي .. تذكرت خشوع طيور الهور واسماكه وخنازيره البرية وهي تؤدي الصلات خلف امامها البرهان وهو يؤذن ويقراء الفاتحة كل مساء على ارواح اهلهم الراقدين منذ اكثر من خمسة الآف عام في التلال ( الأيشان ) في الطرف الآخر من الأهوار’تلك التي تشكلت من بيوت ومعابد وهياكل وثروات وانجازات الأمبراطورية السومرية لأجدادهم .
وروحي تتطلع الى هناك حيث العراق والأهل والديرة مر بها سرب من الطيور متجهاً نحو الجنوب حيث موطنها في جنة الأهوار .
روحي التي تعذبت وعذبتني بغربتها ’ تركت وصيتها امانة عند سرب الطيور العائدة , ربما تبحث عن رفاة بناتها وابنائها واحبائها في مقابرها الجماعية .. او لتعيد بناء ومواصلة حياتها وخياطتها لتاريخ اجدادها .. او استجابة لأستغاثة سيدها وامامها البرهان .. ربما هذا او ذاك .. لكن روحي تركت وصيتها لوعة على اجنحة الطيور .

مزروع انا بد يرتي :

يا طير روح الهلي ــــ الجانوا هلي وصحبتي
جانوا الليلي شمس ـــــ لو ما طفت شمعتــــي
كلهم جروحي بجت ــــ ملجومه من لوعتيــي
بالغربه ما خضرت ــــ مزروع انا بديرتـــــــي
...........
يا طير خذني الهلي ـــــ وذبني على شاطيهــــم
ارد اسهر ويه النخل ــــ وغفه بحضن فيهـــم
وصحــه على بوسة صبح ـــ وسمع سوالفهــم
طاريهم ويه النفــس ـــ يمشي ويجي بريتــي
منهم رضعنه الوفه ــــ ذوله هلي وديرتــــــي
.............
يا طير شوگي نزرع ــــ بجروح ملجومات
تابوت صبري نفجر ــــ ذاك العشگ ما مات
يا طير بالله لتفت ــــ تتوسل الدمعـــات
عدهن وصيـة حزن ــــ شايل عتب لهفتي
لعيون ذاك الوطــن ـــ بيه خضرت ديرتي
...........
روحي مجروحه وطن ـــ والفرح بيهه انطفه
ضحكات ذاك الوكت ــــ ذبلانه فوگ الشفه
صبري كضه من الصبرـــ لكن بگلبي وفـه
لو طال ليل الدرب ـــ امشي على ضيّ عزتي
ووصل حزن ونزرع ـــ فدوه الوجه ديرتـي
.........
رگــد حيلــي ـــ وما تشلــه خيوط غربــه
والفرج ماجه على موعد ــ صار للعفنين دربه
مــرّ سرابـــي ــ العمر مجبور على شربه
يا طير روح الهلي ـــ وحجيلهم قصتـــي
بالغربه عودي ذبـل ــــ وعروگي انا بديرتي
.......
29 / 09 / 2006
smathcor@web.de